خبر

بيوم الوالدين.. أعراب سطّروا ملحمة التعلّق بأبنائهم

بسبب الدور الحاسم للوالدين، في تربية الأطفال، أطلقت الأمم المتحدة، في العام 2012 يوماً عالميا للاحتفال، بهما، وتكريما لهما، في جميع أنحاء العالم.

وأقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة، في جلستها السادسة والستين، الأول من شهر حزيران/ يونيو، والذي يصادف وقوعه اليوم الثلاثاء، يوما عالميا للاحتفال بالأبوين، بصفتهما المصدر الأساسي للتربية، ولضمان التكامل في نمو شخصيات الأبناء، في محيط من الرعاية والعطف، بحسب تعريف الأمم المتحدة، والتي أضافت بأن إقرار يوم عالمي للاحتفال بالأبوين، يأتي تكريماً لتفانيهما بأبنائهما وجملة التضحيات التي قدماها، من أجل تربية ونمو أبنائهما.

مادة اعلانية

أعرابية لم يلد مثلها أحد!

وخلّد الشعر العربي، مآثر الأبوة والأمومة، في مظاهر شتى من الصور الأدبية التي يعود أقدمها، إلى نهايات العصر الجاهلي وبدايات العصر الإسلامي، ويبدو فيها، درجة التعلق بالأبناء، من قبل الأبوين، إلى الشكل الذي صار فيه، التغني بالطفل، ذكرا كان أم أنثى، من الأدب الشعبي الذي تتناقله الأجيال، كقول هذا الوالد العربي وهو يتغنى بابنته، وهو ينسب لأبي عبد الله بن لبانة الأعرابي:
كريمةٌ يحبّها أبوها
مليحة العينين عذبا فوها
لا تُحسن السبَّ وإن سبُّوها
وبحسب مصنفات عربية وإسلامية مختلفة، ترد فيها مقتطفات من شعر الأعراب والأعرابيات، تتغنى أعرابية بابنها، على أحسن ما يكون الاهتمام بالابن والفرح لقدومه:
يا حبذا ريح الولد
ريح الخزامى في البلد
أهكذا كل ولد؟
أم لم يلد مثلي أحد؟!
حبّ البخيل للمال

في المقابل، لم يكن الوالد أقل من الوالدة، بالتعبير الصريح عن تعلقه بابنه. فمع الطفل، تتوحد صفات الأم والأب، من خلال الفرح بالولد والإحساس العالي بمحبته، إلى الدرجة التي تنسب فيها، هذه الأبيات عن حب الطفل، إلى أعرابية، مرة، أو إلى أعرابي، مرة، في كتب المصنفين العرب والمسلمين:
أحبّه حُبّ الشحيح لماله
قد كان ذاق الفقر ثم ناله
إذا أراد بذله بدا له
دفن ابنه فكأنه دفن نفسه

ويشار إلى أن تعلق الأبوين بأبنائهما، وصل في الموروث العربي ليسطر ملحمة في سياقه، إلى درجة الاتحاد والانصهار، ما بين الأصل والفرع، الأب والابن، الأم والابن، فإذا مات الطفل، يكون في هذه الحالة، قد مات والده أو والدته، معه، ذلك أنه جزء من أبيه أو أمه، بحسب مأثور عربي قديم، يعتبر من أكثر أبيات الشعر العربي إيلاماً في النفس، لما فيه من حزن لا يوصف على فقد الولد:
بُنيّ لئن ضنّت جفونٌ بمائها
لقد قرحت منّي عليكَ جفونُ
دَفَنتُ بكفّي بعضَ نفسي فأصبحت
وللنفس منها، دافنٌ ودفينُ
أعرابية ابنها جزء من جسدها

والطرف المتمم، بعد الأب، في الأبوين، هو الأم، هي الأخرى عبّرت عن أن ابنها، جزء من جسدها، فإذا فقدته، فقدته معها، وينسب لأعرابية لدى المصنفين:
لما رأيتك قد أدرجت في كفن
مطيباً للمنايا آخر الأبد
أيقنتُ بعدكَ أني غير باقيةٍ
وكيف يبقى ذراعٌ زال من عضد؟!

ويشار في هذا السياق، إلى تجربة عدت في الفرائد، في الشعر العربي، لما تنطوي عليه، من جمع تام للخوف على الأبناء والتعلق بهم، في شخص واحد، انتفت معه الحاجة، إلى التمييز ما بين أب وأم، ذلك أن القصيدة المشهورة بين الناس، ألغت الفارق ما بين قلب الوالدة والوالد، خاصة في مثل بيئة كالبيئة العربية التي من مظاهرها، تمييز سلوك الرجل من المرأة، خاصة في المشاعر والتعبير الصريح عن الحب الذي قد يفهم، ضعفاً في المحب، حتى لو كان للأبناء.
قصيدة الأبوين معاً

تنفرد قصيدة حِطَّان بن المعلى، والذي يشار إليه بأنه شاعر ينتمي إلى أوائل عصر الإسلام، ولا توجد أي ترجمة عنه، تعرف به التعريف الوافي، سوى القول إنه شاعر أعرابي، وضاع بين المصنفات ولم يعرف له، سوى تعدد بأسمائه، إلا أن قصيدته عن أبنائه، خلَّدته، شاعراً، وزادت في غموض أصله وفصله، شخصاً.
تبدو شخصية الأبوين، معاً، بدون أي فارق ما بين إحساس الأم والأب، في شغف حِطان بأولاده، وقصيدته تبدو كما لو أنها نَصّ الأبوين، بلا أي فارق، فهو يقول عن أولاده، كما لو أنها الأم تتألم لا الأب:
لو هبَّت الريحُ على بعضهم
لامتنعت عيني من الغُمضِ
ثم تظهر صورة الوالد، الرجل، كما هي في النص نفسه:
وغالني الدّهرُ بوفر الغنى
فليس مالٌ سوى عِرضي
فكرة التضحية التي أشارت إليها الأمم المتحدة، في معرض نقلها سياق اختيار يوم للاحتفال بالأبوين، تتجلى بقوة، في قصيدة ابن المُعلى، ذلك أنه يتحدث، وبتصريح تام، بأنه لولا لزوم الاهتمام بأطفاله، لجاب الدنيا وتحصّل على ما يريد من أمجاد:
لولا بُنيات كزغب القطا
رددن من بعض إلى بعضِ
لكان لي مضطربٌ واسعٌ
في الأرض ذات الطول والعرضِ
نقول وأكبادنا تحترق

ويقول التبريزي المتوفى سنة 502 للهجرة، في شرحه ديوان حماسة أبي تمام، والتي أدرج فيها، نص حطان بن المعلى: "يقول: لولا خوفي من ضياعهنّ، لكان لي مجالٌ واسع في الأرض، وإنما لزمتُ مكاني بسببهنّ" وهو التضحية بعينها.

وأشار عدد من المصنفين المعاصرين، إلى أن شعر الأعراب، يمتاز بطبيعته، بالحنين والتشوق والتفجع، ومنه شعر تعلّق الأبوين بأبنائهما، عند العرب.
ويقول المصنف والمحقق خليل مردم بك (1895-1959م) في كتابه "الأعرابيات": "سئل أعرابيّ: ما بال المراثي أجود أشعاركم؟ قال: لأنّا نقولُ، وأكبادنا تحترق!".