خبر

لبنان: من وصاية بلا ربطة عنق… إلى وصاية بربطة عنق

كتبت ناديا غصوب في “نداء الوطن”:

لم يعد السؤال في لبنان ما إذا كنّا نعيش تحت وصاية، بل أيّ نوع من الوصاية نختبر اليوم. فبعد عقود من وصايات مباشرة، خشنة، لا تخفي أدواتها ولا نياتها، يبدو أن البلد انتقل إلى نموذج أكثر تهذيبًا في الشكل، وأكثر إحكامًا في المضمون: وصاية بربطة عنق.

الوصاية القديمة كانت تُمارَس بلا أقنعة: حضور أمني، قرارات فوقية، وحدود واضحة بين من يأمر ومن يُنفّذ. أمّا الوصاية الجديدة، فناعمة اللغة، دبلوماسية الأسلوب، تُغلّف تدخلها بمفردات الإصلاح والحوكمة والدعم الدولي. تغيّر الخطاب، لكن الجوهر واحد: قرار وطني مُصادَر، وسياسات تُصاغ خارج المؤسسات، وتُمرَّر إلى الداخل كأمر واقع.

لم تعد الوصاية بحاجة إلى دبابة أو ضابط. بات يكفي اجتماع مغلق، أو تقرير «تقني»، أو نصيحة مشروطة بالمساعدة. والأخطر أن هذه الوصاية لا تُفرض بالقوة وحدها، بل تجد من يرحّب بها في الداخل. قوى سياسية ارتضت طوعًا دور الوسيط أو الوكيل، وتخلّت عن فكرة السيادة مقابل حماية، أو تمويل، أو وعد بالاستمرار في السلطة. هؤلاء لا يرون في الوصاية انتقاصًا، بل «براغماتية»، ويسوّقونها للناس باعتبارها الخيار الواقعي الوحيد.

في هذا السياق، تتحوّل الدولة إلى كيان إداري عاجز، ينتظر الإشارات الخارجية في كل استحقاق: من تشكيل الحكومات، إلى القوانين المالية، وصولاً إلى الاستحقاقات الدستورية. حتى الأزمات اليومية، من كهرباء ومياه وصحة وتعليم، تُدار بلا رؤية، فيما يُطلب من اللبنانيين التكيّف، الصبر، أو الهجرة. في هذا الوطن، لا نعرف ما ينتظرنا، ولا نمتلك مستقبلاً واضحًا، ولا نستطيع التنبؤ بما سيأتي. كل شيء مبهم، وكل قرار، حتى على صغر حجمه، يصبح رهينة ظروف لا يتحكم بها أحد.

أما الملف الأكثر إيلامًا، ملف أموال المودعين، فيُختصر بخطط وتسويات لا تمسّ جوهر المشكلة. تُقدَّم الخسائر كقدر، وتُوزَّع المسؤوليات على الجميع، فيما يغيب أي مسار جدي للمحاسبة أو لاستعادة الحقوق. هكذا تُعامل ودائع الناس كأرقام قابلة للتدوير، لا كتعب عمر وحق بديهي.

الأخطر من الوصاية نفسها هو تطبيعها. حين يُعاد تعريف التبعية كحكمة سياسية، ويُقدَّم الخضوع كعقلانية، ويُنظر إلى الاستقلال كترف غير قابل للتحقق. عندها، لا يعود النقاش حول استعادة القرار، بل حول تحسين شروط الارتهان، وكأن المطلوب فقط وصاية أقل قسوة، لا غياب الوصاية.

لبنان، في هذا المسار، لا ينتقل من وصاية إلى استقلال، بل من وصاية بلا ربطة عنق إلى وصاية بربطة عنق. من أمرٍ مباشر إلى إدارة ناعمة، من قمع ظاهر إلى احتواء طويل الأمد. والنتيجة واحدة: دولة بلا قرار، وسلطة بلا شرعية، ومجتمع يُطالَب دوماً بدفع ثمن خيارات لم يشارك في صنعها.

ومع ذلك، يبقى الأمل حاجة يومية لا رفاهية سياسية. على أمل أن تحمل السنة الجديدة خيرًا للبنان واللبنانيين، خيرًا يُشبه الناس لا الصفقات، ويُشبه تعبهم لا خطابات الوصاية. خيرًا يُعيد بعض الطمأنينة إلى بيوت أنهكها القلق، ويمنح اللبنانيين سببًا بسيطًا للاستمرار، ولو كان صغيرًا، خيرًا يبدأ بخطوة بديهية طال انتظارها: أن يشعر الناس أن تعب عمرهم لم يذهب سدى، وأن حقوقهم، وفي مقدّمها أموالهم المحتجزة، ليست رقمًا قابلاً للنسيان. فوسط هذا الانهيار الطويل، يبقى ما يستحق الدفاع عنه: كرامة الناس، وحقهم في وطن لا يُدار عنهم، بل معهم.

أخبار متعلقة :