كتب ألان سركيس في “نداء الوطن”:
أطفأ عهد رئيس الجمهورية جوزاف عون شمعته الأولى. وبعد سنة على توليه سدّة الرئاسة، ها هي المنطقة تدخل في تغيير هو الأكبر من نوعه، قد يرسم مستقبلها لسنوات عدّة.
انتخب عون في 9 كانون الثاني 2025، أي بعد شهر ويوم واحد على سقوط نظام بشار الأسد، ويدخل عون سنته الثانية من الحكم على وقع الاحتجاجات التي تعصف بطهران والمحافظات الإيرانية. ولا تحصل هذه المتغيرات إلا مرّة كل خمسين سنة، إن حدثت.
كان من المقرّر انتهاء السنة الأولى من عهد الرئيس عون والسلاح غير الشرعي قد أصبح بيد الدولة، وحُلّت جميع الميليشيات وبسط الجيش اللبناني سلطته على الأراضي اللبنانية كافة، لكن هذا الأمر لم يحصل على رغم الضغط الأميركي والدولي واستمرار إسرائيل باستهدافاتها.
وفي الذكرى الأولى لانتخابه، بق الرئيس عون البحصة، وأشار إلى أن سلاح «حزب الله» لا يحمي لبنان وأصبح عبئًا عليه وعلى الشيعة ولبنان. قد يكون هذا الكلام هو الأقسى من نوعه يوجهه رئيس جمهورية إلى سلاح «حزب الله» بعد التسعين. الرئيس ميشال سليمان تحدّث عن المعادلة الخشبية وأسقط قدسيّة «شعب، جيش ومقاومة»، لكن ظروف حكم سليمان كانت مغايرة وموازين القوى كانت ضدّه ولم يكن لديه متسع من الوقت لتطبيق كلامه.
قال جوزاف عون كلمته وانهالت تعليقات «حزب الله» من نواب وقيادات، وأثار هذا التصريح موجة غضب واسعة تطرح علامات استفهام عن علاقة رئيس الجمهورية بـ «حزب الله» في المستقبل.
منذ أن كان عون قائدًا للجيش وقبله، كانت تجمعه علاقة ممتازة بـ «الحزب»، وطبّق قرارات السلطة السياسية بالسماح لـ «حزب الله» بحريّة الحركة. وشكّل انتخابه بدايةً لمرحلة جديدة، من يقرأ سياسة يعرف أن انتخاب عون أتى في ظرف جديد وهدفه بناء الدولة وتسليم سلاح «الحزب» وكل الميليشيات.
قامت القيامة على الرئيس عون ولم تقعد نتيجة تساهله مع «حزب الله»، لكن الرجل كان يعتبر أنه بالحوار يستطيع إقناعه بالتخلي عن سلاحه بعد انتفاء دوره والهزيمة التي أصابته وضربت كل المحور. سنة من المحاولة الرئاسية وفتح قنوات الحوار سواء المباشر مع رئيس كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب محمد رعد أو عبر مستشاره العميد اندره رحّال، محاولات كلها لم توصل إلى إقناع «الحزب» بالتخلي عن سلاحه.
وظهر تعنت «حزب الله» أكثر مع رفضه تسليم السلاح شمال الليطاني. ومع اشتداد الضغط الإقليمي والدولي والتهديد بحرب إسرائيلية جديدة، لم يعد بإمكان الرئيس عون مسايرة «حزب الله» أكثر، فخرج بالموقف الجديد وهو أن السلاح أصبح عبئًا ويجب تسليمه للجيش ودوره قد انتفى.
لا أحد يستطيع التكهن إلى أين ستذهب العلاقة بين عون و»حزب الله» بعد التشدّد الرئاسي. صحيح أن «الحزب» ممتعض من الرئيس وغاضب من تصاريحه، لكنه لا يستطيع الذهاب بعيدًا في مواجهة العهد. «الحزب» مطوّق داخليًا، حتى حركة «أمل» والرئيس نبيه برّي غير راضيين على أدائه، والتهديدات الإسرائيلية جديّة، والواقع الإقليمي تغيّر بعد سقوط الأسد واهتزاز النظام الإيراني.
وتبدو بعبدا متمسكة أكثر من أي وقت بإنهاء مسألة سلاح «الحزب»، ففترة السماح للدولة اللبنانية المعطاة من الأميركيين انتهت، ولا يمكن للدولة اللبنانية الاستمرار بتغطية تعنت «الحزب». ومن جهة ثانية، هناك رهان بعدم صمود النظام الإيراني طويلًا أمام موجة الاحتجاجات الداخلية والضغوط الأميركية المتسارعة، وبمجرّد سقوط نظام الملالي، فقد «حزب الله» داعمه الإقليمي ومشغله ومموله.
لا يوجد في بعبدا نية بالتراجع عن حصر السلاح، ويبقى انتظار تطورات إيران ليبنى على الشيء مقتضاه لأن سقوط النظام بات مسألة وقت.
أخبار متعلقة :