كتب منير الربيع في “المدن”:
إنه الاشتباك أو الاختلاف الأول الجدّي بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترامب، ويأتي على خلفية إعلان ترامب عن تشكيل مجلس السلام الخاص بغزة. الأمر الذي رفضه نتنياهو وعقد لقاءات وجلسات حكومية للبحث في كيفية التعاطي معه، لا سيما ان عدداً من الوزراء الإسرائيليين المتطرفين يرفضون تركيبة المجلس والتي تضم شخصيات من تركيا وقطر. يقود ذلك إلى تلمس المزيد من الاختلافات بين الأميركيين والإسرائيليين. فواشنطن تتعاطى مع كل الشرق الأوسط كملف واحد وضمن رؤية تسعى إلى تحقيقها. أما إسرائيل فلا تزال تصر على تجزئة الملف وهي تختلف مع المقاربة الأميركية لكل واحدة منها.
إسقاط النظام
يبقى الاختلاف قائماً في غزة، وكذلك بالنسبة إلى ملفات إيران، سوريا، ولبنان. فبالنسبة إلى الملف الإيراني، تريد إسرائيل إسقاطاً للنظام ولو أدى ذلك إلى الدخول بحالة من الفوضى أو عدم الاستقرار، ذلك لا يصب في مصلحة الرؤية الأميركية ولا حتى رؤية دول المنطقة وخصوصاً تركيا ودول الخليج. من بين الأسباب الحقيقية لتأجيل الضربة الأميركية على إيران، كانت المساعي الإقليمية بالإضافة إلى عدم اتضاح رؤية ما بعد الضربة، وهنا تنقسم التفسيرات.
الإيرانيون وتجربة الـ12 يوماً
بعض المعلومات الأميركية تفيد بأن واشنطن لم تكن متأكدة من أن توجيه ضربة عسكرية ضد إيران ستخدم الهدف الأميركي أو ستحققه، خصوصاً في حال لم تتوفر الظروف الملائمة لتشكيل مجلس قيادة جديدة أو لخروج شخصيات من النظام يتمكنون من السيطرة على الوضع. بعض المعلومات الأخرى تشير إلى أن كانت واشنطن كانت تراهن بالتزامن مع تنفيذ الضربة على تحرك مجموعات في الداخل الإيراني لتغيير الوقائع على الأرض، ولكن الإيرانيين كانوا قد اكتشفوا العديد والكثير من المجموعات والعناصر التي ستتولى ذلك، هنا يؤكد الإيرانيون أنهم كانوا قد تعلموا من تجربة حرب الـ12 يوماً، إذ في حينها تمكنت إسرائيل من توجيه ضربات صادمة ومفاجئة للإيرانيين بما فيها عمليات الاغتيال، وكانت التقارير واضحة حول العمليات التي نفذت من داخل إيران. أما في المرحلة الأخيرة فكان واضحاً أن الإيرانيين تمكنوا من اكتشاف الكثير من الشبكات، وهم الذي أعلنت السلطات الإيرانية القبض عليهم واتهمتهم بالتعامل مع الموساد. هذه التوقيفات منحت فرصة لإيران لحرمان الإسرائيليين والأميركيين من عنصر المفاجأة بالداخل.
احتمالان
لا يعني ذلك أن الضربة قد انتهت، بل لا تزال احتمالاتها قائمة، وهنا يبرز احتمالان: الأول إمكانية أن تكون ضربة قوية بعد حشد القوى العسكرية الأميركية اللازمة إلى المنطقة وتوفير عناصر الحماية اللازمة لإسرائيل، على أن تؤدي هذه الضربة إلى تغيير كبير على الأرض وفي بنية السلطة في إيران. أما الاحتمال الثاني فهو أن يستمر الضغط من جهة مع عمليات أمنية من جهة أخرى إلى جانب التفاوض من جهة ثالثة لأجل انتقال إيران إلى حالة سياسية جديدة. لكن هذا المسار قد يستغرق أشهراً. هنا لا بد من الإشارة إلى أن واشنطن لا تفضل الفوضى في ايران ولا الانهيار الدراماتيكي، بينما اسرائيل لا تمانع ذلك.
في سوريا أيضاً
الاختلاف الأميركي الإسرائيلي يسري على سوريا أيضاً، إذ سعت إسرائيل إلى إبقاء خواصر رخوة في سوريا وسعت إلى التسلل من ثغرات عديدة لزرع الشقاق وزيادة المشاكل بين المكونات السورية بهدف ضرب مفهوم سوريا الموحدة أو المركزية. بينما الأميركيون وفروا كل أشكال الدعم لدمشق وصولاً إلى حدّ منحها الغطاء للدخول في مواجهة ضد قوات سوريا الديمقراطية والسيطرة على حقول النفط في شمال شرق سوريا وخصوصاً في منطقة شرق الفرات، يحصل ذلك من دون حصول ردة فعل إسرائيلية، وهذا يعني أن ترتيبات معينة قد حصلت، بينما يبقى السؤال الأساسي عن الثمن الذي ستتقاضاه إسرائيل، وإذا كان كان ذلك مرتبطاً بدفع دمشق للذهاب نحو تطوير الاتفاق مع تل أبيب إلى اتفاق سلام.
لبنان وسحب السلاح
أما في لبنان، فأيضاً بوادر الاختلاف قائمة، بعض المؤشرات اللبنانية تفيد بأن واشنطن بدت متفهمة لمطالب لبنان حول ضمان عودة سكان القرى الجنوبية وعدم تهجيرهم، بينما إسرائيل لا تزال تصر على توسيع المنطقة العازلة وتكريس مبدأ التهجير. كذلك، تسعى إسرائيل إلى إقناع الولايات المتحدة الأميركية بضرورة تنفيذ عملية عسكرية واسعة ضد حزب الله طالما أن العملية العسكرية الأميركية ضد إيران مؤجلة، وتريد اسرائيل الاستفادة من الوقت الحالي لضرب حزب الله عسكرياً والقضاء على قدراته وتوسيع نطاق المنطقة العازلة من خلال التوغل البري، لكن واشنطن ترفض ذلك وتصر على منح الدولة اللبنانية فرصة لمتابعة عملية سحب السلاح وفق الخطة الموضوعة.
بين الأميركيين
وكما هو الحال بالنسبة إلى الاختلافات الأميركية الإسرائيلية، تبرز أيضاً اختلافات داخل الإدارة الأميركية نفسها. بعض المسؤولين والأعضاء الجمهوريين في الكونغرس يؤيدون إلى حدود بعيدة ممارسة الضغط على إيران عسكرياً، والدخول في مواجهة ضد دمشق على خلفية العملية العسكرية ضد قوات سوريا الديمقراطية، بالإضافة إلى زيادة المزيد من الضغط العسكري على لبنان. في المقابل، هناك مواقف المقربين من ترامب الذين يشددون على استمرار الدعم لدمشق ولبنان وإعطاء فرصة للتفاوض مع إيران.
وهذه الاختلافات الأميركية ستكون لها انعكاسات وتداعيات على كل ملفات المنطقة خصوصاً في ظل الإصرار الإسرائيلي على رفع سقف التهديد بعمليات عسكرية. هذا ما تسعى قوى إقليمية عديدة إلى تفاديه سواء في سوريا أو لبنان أو إيران. في هذا السياق، شهد لبنان اندفاعة ديبلوماسية تجسدت بوضع إطار وتحديد موعد لمؤتمر دعم الجيش، على أن يعقد اجتماع تمهيدي في الدوحة بمشاركة دول عديدة.
الاندفاعة الدبلوماسية وأفكار التسوية
الأساس في هذه الزيارات الديبلوماسية يختصر بثلاث نقاط: الأولى الإصرار على سحب السلاح بشكل كامل من كل الأراضي اللبنانية، وأن هذا الأمر أصبح مسلماً به بالنسبة إلى القوى الدولية والدولة اللبنانية التي التزمت بذلك، بينما يبقى البحث في كيفية تحقيقه. الثانية، إنجاز الإصلاحات والاتفاق مع صندوق النقد الدولي وإقرار قانون الفجوة المالية. أما الثالثة فهي تتعلق بالمسار السياسي وخصوصاً الانتخابات النيابية التي يجب أن تحصل في مواعيدها مع الاتفاق على قانون الانتخاب بما يتعلق بتصويت المغتربين وإلغاء الدائرة 16 في الخارج، لكن ذلك سيشكل تحدياً أساسياً للثنائي الشيعي الذي قد يطالب حينها بضمانة تتصل برئاسة المجلس النيابي. أما الاحتمال الآخر فهو يتعلق بإمكانية تأجيل الانتخابات لسنتين مقابل التزام كل القوى اللبنانية بتطبيق اتفاق الطائف كاملاً والاتفاق على قانون انتخاب وعلى اللامركزية الإدارية وانشاء مجلس الشيوخ، إضافة إلى الانتهاء الكامل من عملية حصر السلاح. طرح الطائف يندرج في سياق السعي الدولي والإقليمي إلى الحفاظ على المناصفة وعلى التركيبة اللبنانية الحالية، لعدم ترك المجال أمام صراعات تتعلق بالسعي إلى تعزيز صلاحيات طرف أو مكون على حساب المكونات الأخرى، ولعدم فتح المجال أمام البحث في تعديل الدستور، والذي إذا ما فتح لن يتمكن أحد من ضبطه، وقد يؤثر على التركيبة السياسية للنظام.
أخبار متعلقة :