خبر

سلاح “الحزب” يعيق الإنقاذ ويخنق الجنوب اللبناني

كتب طارق أبو زينب في “نداء الوطن”:

لم يعد الانهيار الاقتصادي في لبنان لغزًا أو نتيجة عرضية لأزمات مالية أو اختلالات تقنية، بل بات انعكاسًا مباشرًا لأزمة سياسية وسيادية مكتملة الأركان. جنوب لبنان يعيش هذا الانهيار بأقسى صوره، تحت حصار مزدوج اقتصادي وسياسي بفعل استمرار السلاح غير الشرعي، وعلى رأسه سلاح “حزب الله”، وما يرافقه من تعطيل مزمن لتنفيذ القرارات الدولية التي تنص على نزع سلاح الميليشيات وحصر القوة العسكرية بيد الدولة. من دون هذا القرار السيادي، يبقى أي أمل بالنهوض الاقتصادي أو إعادة الإعمار وهمًا، فيما تتفاقم المخاطر على الأمن والاستقرار الاجتماعي .

الجنوب على شفا الكارثة

عاد التصعيد العسكري الإسرائيلي عبر غارات عنيفة استهدفت مناطق شمال نهر الليطاني، في رسالة أمنية واضحة تنذر بتوسع المواجهة وإمكانية تصعيد شامل. هذه الغارات حوّلت قرى بأكملها إلى مناطق منكوبة، مع تدمير المنازل وارتفاع منسوب الخوف بين السكان الذين يعانون أصلًا من ضغوط اقتصادية ومعيشية هائلة. ويزيد من خطورة الوضع استمرار رفض “حزب الله” تسليم خرائط الأنفاق ومخازن الأسلحة والصواريخ الدقيقة، ما يبقي الجنوب مكشوفًا أمام أي تصعيد محتمل ويغذي المخاوف من موجة نزوح واسعة قد تعيد لبنان إلى واجهة الكارثة الإنسانية والأمنية.

حصار اقتصادي

ترتبط هذه الهشاشة الأمنية مباشرة بالحصار الاقتصادي، بحسب مصادر مطلعة أفادت “نداء الوطن”، فقد أُغلقت أبواب العالم أمام اقتصاد جنوب لبنان، فلا الدول العربية، ولا المستثمرون، ولا صناديق التنمية الخليجية أبدوا استعدادًا لضخ دولار واحد في مشاريع إعادة الإعمار أو الاستثمارات الإنتاجية. ويؤدي استمرار سلاح “حزب الله” وحركة “حماس” خارج نطاق سلطة الدولة، إلى جانب الفوضى الأمنية وعدم الاستقرار السياسي المستمر، إلى انهيار الاستثمار المباشر ووصوله إلى أدنى مستوياته التاريخية .

وتؤكد المصادر أن المجتمعَين العربي والدولي لا يغامران بأموالهما في دولة ما تزال ساحة نفوذ إقليمي مفتوحة، ولا يموّلان نظامًا ماليًا في ظل استمرار “حزب الله” في ممارسة النفوذ وفرض التهديد، وإطلاق ولاءاته للنظام الإيراني. لبنان يُصنف دوليًا كدولة عالية المخاطر، ليس بسبب ضعف موارده، بل نتيجة تقويض السيادة الوطنية. هذا يجعل الجنوب أكثر المناطق هشاشة ومعاناة، معرضًا لأزمات اقتصادية وإنسانية متفاقمة .

الأمن الغذائي في الجنوب هش

وبالمثل، يتأثر الواقع الإنساني مباشرة بهذه الأزمات. فالأمن الغذائي في الجنوب هش وعالي التأثر بالصدمات، بحسب بيان وزارة الزراعة اللبنانية ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة وبرنامج الأغذية العالمي، حيث يواجه نحو 874 ألف شخص، أي حوالى 17 % من السكان، مستويات أزمة أو طوارئ من انعدام الأمن الغذائي الحاد بين تشرين الثاني 2025 وتموز 2026.

ويشير البيان إلى أن التعافي لا يزال غير مستدام، إذ يقف العديد من الأسر على حافة الانزلاق نحو مستويات أشد خطورة، في ظل الصدمات الاقتصادية والسياسية والأمنية، مع تركيز التأثير على مناطق صيدا، بنت جبيل، مرجعيون، النبطية، صور، إضافة إلى المجتمعات اللاجئة. وتشير التقديرات إلى احتمال ارتفاع عدد من يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد إلى نحو 961 ألف شخص بين نيسان وتموز 2026، نتيجة تراجع المساعدات الغذائية، استمرار النزوح، وتأخر إعادة إعمار البنى التحتية المتضررة.

اختبار الفراغ الأمني

يزيد من تعقيد المشهد انسحاب قوات “اليونيفيل” من جنوب لبنان، إذ أفادت مصادر أميركية لـ “نداء الوطن” بأن العملية باتت مسارًا قيد التنفيذ مع بدء العدّ العكسي لإنهاء مهمتها. هذا التطور يثير قلقًا دوليًا متزايدًا حيال الفراغ الأمني المحتمل، ولا سيما خلال المرحلة الانتقالية قبل أي انتشار فعلي للجيش اللبناني. وتشير المعلومات إلى احتمال تمركز قوة عسكرية أميركية على الحدود الجنوبية عقب انتهاء مهمة “اليونيفيل”، في مؤشر واضح على حجم القلق الدولي من ترك الجنوب مكشوفًا. يفرض هذا الواقع ضرورة ملحة لملء الفراغ سريعًا وترتيب الأوضاع الأمنية، منعًا لتحوّل الحدود الجنوبية إلى ساحة مفتوحة على التصعيد وتداعيات لا يمكن احتواؤها .

لا إنقاذ بلا قرار سيادي

يبقى الجنوب اللبناني مكشوفًا بلا أي مظلة حماية سياسية أو اقتصادية، رهينة سلاح “حزب الله” الذي يفرض سيطرته ويُخَوِّن المسؤولين وشريحة واسعة من اللبنانيين، لتغطية عجزه ورفضه الشراكة الفعلية مع الدولة. كل يوم تأخير في نزع السلاح يعني مزيدًا من الدمار والفقر، فيما يواصل الاقتصاد المحلي انهياره تحت ضغط اقتصاد الظل وغياب أي إصلاح جدي. أما التقاطع القائم بين الدولة و “الحزب”، فلا يشكّل حلًا، بل يكرّس الحصار ويحوّل الانهيار إلى واقع دائم.

لم تعد الحقيقة قابلة للإخفاء، ولم يعد الصمت مقبولًا. المجتمعان العربي والغربي، ومعهما غالبية اللبنانيين، باتوا مقتنعين بأن لا إنقاذ للجنوب من دون تطبيق حاسم للقرارات الدولية، ولا استثمار ولا تنمية في ظل سلاح خارج سيادة الدولة، ولا دولة فعلية ما دام قرار الحرب والسلم مُصادَرًا. كل تأخير يضاعف المخاطر ويعمّق الانهيار، فيما القرار السيادي الشجاع وحده يكسر العزلة ويعيد الاستقرار والتنمية إلى الجنوب .

أخبار متعلقة :