في 25 آذار 1976، أطلق الشيخ بيار الجميل، رئيس حزب “الكتائب”، نداءً تاريخيًا دعا فيه اللبنانيين والجيش إلى الدفاع عن الوطن ولبنان الواحد في وجه المخاطر. توجّه بصرخة للضباط والجنود بضرورة التوجه فورًا إلى الثكنات، وعدم الانجرار وراء المغريات، والتمسك بالشرف العسكري، ونادى اللبنانيين واللبنانيات للوحدة جنبًا إلى جنب لإنقاذ الوطن قبل فوات الأوان، وأعلن تصميمه على حمل المسؤولية حتى الرمق الأخير للدفاع عن سيادة لبنان واستقلاله. قد يكون لبنان اليوم بحاجة إلى نداء من هذا النوع لإنقاذه من الانقلاب الذي يقوده “حزب الله”، وحتى لا تصبح الدولة خارج الخدمة.
اعتُبر هذا النداء محطة مفصلية في تاريخ الحرب في لبنان، حيث جاء لترسيخ دور “المقاومة اللبنانية” في حمايته. وقد يكون لبنان اليوم بحاجة إلى إطلاق نداء من هذا النوع من أجل التأسيس لمقاومة لبنانية جديدة تتولى الدفاع عن الدولة والشرعية والكيان، وتتصدّى للانقلاب الذي يقوده “حزب الله”. نداء لا يتوجّه فقط إلى الجيش اللبناني بل إلى كل القوى التي التقت منذ العام 2004 على قرار استعادة الحرية والسيادة والاستقلال. فهذه ساعة الحقيقة والقرار.
عندما أطلق الشيخ بيار ذلك النداء كان الجيش اللبناني قد بدأ ينقسم إلى فرق عسكرية مشتتة. بدأ الانقسام مع انشقاق الملازم أول أحمد الخطيب بداية عام 1976 وإعلانه قيام “جيش لبنان العربي”، من دون أن يلقى ردًّا رادعًا من القيادة. واكتملت الصورة مع اانقلاب الذي أعلنه العميد عزيز الأحدب في 11 آذار 1976 عبر التلفزيون ودعا فيه لاستقالة الرئيس سليمان فرنجية، وقد ظهر سريعًا أن هذا الانقلاب كان مدعومًا من قيادات فلسطينية. بعد هذا الإعلان اكتملت عملية تقسيم الجيش وسقطت الثكنات التي كانت خارج المناطق الشرقية الحرة.
تجربة أيار 1973
منذ الاشتباكات التي حصلت بين التنظيمات الفلسطينية والجيش اللبناني في أيار 1973 وبعد ضغط النظام السوري وإقفال الحدود مع لبنان ومناشدة الدول العربية الرئيس سليمان فرنجية لوقف العملية، بدا وكأن الجيش اللبناني بات خارج الخدمة وتخلّت السلطة عن القيام بواجب الدفاع عن السيادة وعن أمن اللبنانيين. بحسب المعلومات، التقى وقتها الرئيس فرنجية الرئيس كميل شمعون والشيخ بيار الجميل واتفق معهما، بعد تلقيه تقارير من مدير المخابرات العميد جول بستاني حول تعطيل دور الجيش وقدراته، أن عليهم الاتكال على أنفسهم في الدفاع عن لبنان.
ثمة خوف كبير اليوم من أن تتكرر التجربة بعد خمسين عامًا بالتمام والكمال. “حزب الله” يحاول مرّة جديدة تعطيل دور الجيش وتكرار تجارب تقسيمه وشلّ قدراته في أصعب مرحلة يمرّ فيها لبنان، وفي حرب زجّه فيها مرة جديدة. ليست هذه مجرّد تكهنات بل عملية منظمة من خلال حث الضباط والعسكريين على التمرّد، وبالتالي الضغط على القيادة التي تحاذر الصدام معه، حتى لا تذهب في هذا الاتجاه. وهو طالما هدّد بخوض حرب أهلية رافضًا تسليم سلاحه ومعلنًا أنه سيقاتل الجيش قتالًا كربلائيًا ولو أدّى كل ذلك إلى تدمير هيكل الدولة على رؤوس اللبنانيين جميعًا.
“الحزب” ينزع سلاح الدولة
ما يقوم به “حزب الله” منذ أعلن دخول هذه الحرب الجديدة، انتقامًا لاغتيال المرشد الإيراني والولي الفقيه الذي يأتمر به السيد علي خامنئي، هو عملية انقلاب كامل على الدولة والسيادة. بدل أن تبادر السلطة إلى تنفيذ قرار نزع سلاح “الحزب” وبعدما تردّدت وحاولت حلّ الأمر بالتفاوض، بادر “الحزب” إلى قلب المعادلة وأعلن الحرب وبدأ العمل على نزع سلاح الدولة والجيش وسلطة القرار منهما ووضعهما خارج الخدمة. لكي يهرب “الحزب” من الالتزام بمندرجات اتفاق وقف النار الذي وافق عليه في 27 تشرين الثاني 2024 وحتى يرفض تنفيذ قرارات الحكومة في 5 و7 آب ذهب إلى إعلان الحرب ضد إسرائيل وإلى الإعلان عن شنّ حرب مماثلة ضدّ الحكم والحكومة. فهو يتهمهما بأنهما سلطة وصاية نصّبتها واشنطن وتل أبيب والسعودية ويجب أن يسقطها. كما يقاتل ضدّ إسرائيل يقاتل ضدّ الحكم والحكومة ويضعهما في جانب واحد من الجبهة.
انقلاب 2006 يتكرّر
عام 2006 كان “الحزب” محاصرًا بالقرار 1559 الصادر عن مجلس الأمن والذي ينصّ على نزع سلاحه. وكان في مواجهة مع قوى 14 آذار ومع لجنة التحقيق الدولية والمحكمة الدولية الخاصة باغتيال الرئيس الحريري المتهم باغتياله، خصوصًا أنه لم يستطع أن يمنع رئيس النظام السوري بشار الأسد من الخضوع للإرادة الدولية وسحب جيشه من لبنان. لمواجهة كل ذلك ذهب إلى حرب تموز 2006 وزجّ لبنان فيها وتحدّى القوى المعارضة له ولسلاحه واتهمها أمينه العام السيد حسن نصرالله بأنها مجموعة من العملاء والخونة، ولو قال بعد ذلك إنه لو كان يعلم أن إسرائيل ستردّ بهذه القوة لما كان اتخذ قرار الحرب. وحتى بعدما انتهت هذه الحرب بالقرار 1701 الذي نصّ أيضًا على بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها وعلى نشر الجيش اللبناني في الجنوب وزيادة عديد القوات الدولية، ذهب “الحزب” إلى استكمال هذا الانقلاب بحصار السراي وحكومة الرئيس فؤاد السنيورة. وبعدما لم ينجح في إسقاطها قام بغزو بيروت والجبل في 7 أيار 2008 بعدما كانت الحكومة قبل يومين قرّرت فقط تفكيك شبكة اتصالاته الهاتفية الخاصة وإقالة رئيس جهاز أمن المطار العميد وفيق شقير.
لماذا تأخرت الحكومة؟
كان يجب أن تبادر الحكومة بعد تشكيلها في 8 شباط 2025 إلى وضع قرار نزع سلاح “الحزب” موضع التنفيذ. استغلّ “الحزب” تردّد الحكم الجديد لكي يحضّر للانقلاب عليه ويتحرّر من مفاعيل موافقته على نزع سلاحه. لذلك حاول أن ينقض على السلطة من خلال الذهاب إلى الحرب كما فعل عام 2006. بعد بدء الحرب على إيران في 28 شباط، يوم السبت، ترأس الرئيس جوزاف عون اجتماعًا للمجلس العسكري في قصر بعبدا يوم الأحد. ولكن لم تصدر عن الإجتماع قرارات حاسمة. كان من المنتظر أن يتابع الجيش تنفيذ قرارات جمع السلاح بين نهري الليطاني والأوّلي على أساس أنه استكمل عملية نزعه جنوب الليطاني، وكان من المنتظر أيضًا أن يُعقد في باريس مؤتمر دولي لتأمين الدعم اللازم للجيش. ولكن “الحزب” فاجأ الدولة بدل أن تفاجئه وأعلن الحرب ليل الأحد بعد أقلّ من 24 ساعة على بيان المجلس العسكري. في اليوم التالي كانت الحكومة تأخرت كثيرًا عندما قرّرت اعتبار أعمال “حزب الله” العسكرية والأمنية خارجة عن القانون. فقد انتقلت اللعبة إلى ملعب أوسع وإلى ساحة أكبر من ساحة السلطة والدولة وبات القرار بإنهاء وضع “الحزب” متعلّقًا بقرار الانتهاء من النظام في إيران.
بهذا الانقلاب أسقط “الحزب” كل أدبيات الدولة المتعلّقة بنزع سلاحه وتنظيف منطقة جنوب الليطاني ونسف كل مقومات السلطة، وأطاح بمؤتمر دعم الجيش اللبناني وبدّل المعادلات وأعطى لإسرائيل كل الذرائع للقيام باجتياح برّي ولتنفيذ تهديداتها بالقضاء عليه والانتهاء من خطره، طالما أن السلطة في لبنان تخلّفت عن القيام بهذه المهمة. ما حصل في المحكمة العسكرية مع عناصر “الحزب” الذين أوقفهم الجيش وهم ينقلون أسلحة وصواريخ أسقط هيبة الدولة. وما حصل في النبي شيت أيضًا صبّ في الاتجاه نفسه عندما سقط ثلاثة عسكريين في المواجهة من دون أن يكونوا يقاتلون في صفوف الجيش. أكثر من ذلك ذهب “الحزب” إلى حدّ العمل الفعلي على تهديد وحدة الجيش من خلال بيان منسوب إلى “الضباط الوطنيون” يهددون فيه قيادة الجيش من قرار المواجهة مع “الحزب”. مثل هذا البيان كان يفترض ردًّا حازمًا من الجيش ومن القضاء ومن الحكومة تجاه من تولّى إصداره وتوزيعه، ولا يمكن الإكتفاء بمجرّد بيان عن قيادة الجيش توضح فيه “أن لا صحّة إطلاقًا لما تضمّنه الخبر حول ضباط الجيش، وأن عناصر المؤسسة العسكرية ملتزمون بالولاء للمؤسسة والوطن فقط”.
مثل هذه المحاولة لا يمكن التعامل معها بهذا الهدوء. واللبنانيون المعارضون لانقلاب “الحزب” ضد الدولة والجيش ينتظرون جرأة أكثر في الإقدام ويتخوّفون من أن يؤدّي هذا التردّد إلى وضع الجيش والدولة خارج الخدمة بعد أن تكون تخطّتهم الأحداث والتطورات. ولذلك ربّما ينتظر اللبنانيون مبادرة إنقاذ من القوى السيادية تؤسس لمقاومة جديدة تعيد الاعتبار إلى الدولة وإلى السلطة وإلى الجيش.
أخبار متعلقة :