خبر

الفنادق… خسائر مفتوحة بلا تعويض

كتب رماح هاشم في “نداء الوطن”:

لم تقتصر تداعيات الأحداث الأخيرة على البُعد الأمني والسياسي فحسب، بل امتدّت لتضرب عمق الاقتصاد اللبناني، مُخلّفةً خسائر قاسية في غالبية القطاعات الإنتاجية والخدماتية. من الزراعة إلى الصناعة، مرورًا بالتجارة والسياحة، بدا واضحًا أن عجلة الاقتصاد تتباطأ تحت وطأة الأزمات المتلاحقة، في مشهد يعكس هشاشة البنية الاقتصادية أمام الصدمات.

في خضم هذا الواقع، برز القطاع الفندقي كأحد أكثر المتضررين، نظرًا لطبيعته التي لا تحتمل التأجيل أو التعويض. فبين ليلةٍ وأخرى، تتحوّل الغرف الشاغرة إلى خسائر مباشرة، فيما تستمر التكاليف التشغيلية بالارتفاع دون هوادة، ما يضع المؤسسات الفندقية أمام معادلة قاسية بين الاستمرار وتحمل النزيف المالي.

كان القطاع الفندقي يُعوّل على مواسم الأعياد كفرصة لالتقاط الأنفاس وتعويض جزء من خسائره، إلّا أن التطورات الأخيرة جاءت بعكس التوقعات، فجرت الرياح بما لا تشتهي السفن. فبدل أن تشهد الفنادق حركة ناشطة وارتفاعًا في نسب الإشغال، انقلب المشهد رأسًا على عقب، لتتحوّل الآمال إلى خيبات، بعدما فرضت الحرب واقعًا جديدًا غيّر كل المعادلات، وأدخل هذا القطاع في واحدة من أقسى أزماته.

في هذا السياق، يوضح نقيب أصحاب الفنادق في لبنان بيار الأشقر واقع القطاع بالأرقام والمعطيات، كاشفًا حجم الخسائر والتحديات التي تواجه الفنادق، في ظل تراجع نسب الإشغال، ما ينذر بتداعيات أوسع لا تطال هذا القطاع وحده، بل تمتد لتنعكس على الاقتصاد الوطني ككل.

“خسارة لا يُمكن تعويضها”

الأشقر أوضح لـ “نداء الوطن”، أن “قطاع الفنادق يختلف عن سائر القطاعات الاقتصادية، نظرًا لطبيعته الخاصة التي تجعله أكثر عرضة للخسائر المباشرة. ففي قطاع الزراعة مثلًا، هناك منتجات قد تبقى صالحة ليوم أو يومين قبل أن تتلف، كما أن العديد من القطاعات الصناعية، رغم تعرضها للأزمات، تستطيع الاحتفاظ ببضائعها وبيعها لاحقًا عند تحسّن الأوضاع”.

أضاف: “أما في القطاع الفندقي، فإن الغرفة التي لا تُؤجَّر في ليلة معينة تُعد خسارة نهائية لا يمكن تعويضها. فالموظف يتقاضى راتبه، والكهرباء تعمل على مدار السنة دون انقطاع، على عكس المؤسسات الصناعية التي يمكنها تنظيم ساعات العمل أو تقليصها، وكذلك تخزين إنتاجها خلال فترات الركود وبيعه لاحقًا”.

وأعطى الأشقر، مثالًا: “إذا كان الفندق يضم 100 غرفة وتم تأجير 10 غرف فقط، فإن نسبة التشغيل تكون متدنية جدًا. وفي علم إدارة الفنادق، تتراوح كلفة التشغيل بين 40 % و55 % لتحقيق نقطة التعادل (أي صفر ربح)، ما يعني أنه عندما يكون التشغيل بحدود 10 %، فإن الخسائر قد تصل إلى نحو 30 %”.

وأشار إلى أن “معدل الإشغال اليوم لا يتجاوز 11 %”، لافتًا إلى أن “غالبية المؤسسات الواقعة من بعد شرق صيدا قد أغلقت أبوابها”.

انطلاقًا من هذا الواقع، اعتبر أن “القطاع الفندقي يُعد من أكثر القطاعات تكبّدًا للخسائر حتى الآن”، مؤكدًا أن “الدولة أيضًا تتكبد خسائر كبيرة من خلاله، باعتبار أن السياحة من أكبر مصادر الإيرادات الضريبية”.

في ما يتعلق بإقامة المهجّرين في الفنادق، أوضح الأشقر أن “هذا الخيار يبقى موقتًا، إذ يلجأ المهجّر إلى استئجار غرفة لفترة محددة، قبل أن ينتقل إلى شقة سكنية تكون أقل كلفة، لا سيما في ظل مؤشرات تدل على أن الأزمة قد تكون طويلة الأمد”.

“فترة الصمود”

عن قدرة الفنادق على الصمود، أكد الأشقر أن “الفندق لا يُغلق خلال فترة قصيرة كخمسة عشر يومًا، بل يُمكنه الاستمرار لمدة تتراوح بين شهرين وثلاثة، في ظل الأمل بإمكانية تحسّن الأوضاع. إلا أن ذلك قد يترافق مع إجراءات داخلية، مثل تخفيض عدد الموظفين أو التوصل إلى اتفاقات معهم لتقليص الرواتب تدريجيًا، بحيث يتم دفع نحو 75 %من الراتب في الشهر الأول، و50 % في الشهر الثاني، و25 % في الشهر الثالث”.

وختم الأشقر، بالإشارة إلى أن “اليد العاملة تبقى الطرف الأكثر تأثرًا بالأزمة”.

في المحصلة، لا تبدو أزمة القطاع الفندقي مجرّد عثرة ظرفية، بل مؤشرًا صارخًا على عمق الانكماش الذي يضرب مفاصل الاقتصاد اللبناني. فاستمرار نسب الإشغال المتدنية، وإقفال المؤسسات تباعًا، وتآكل القدرة على الصمود، كلها عوامل تعكس واقعًا مقلقًا يتجاوز حدود هذا القطاع ليطال الدورة الاقتصادية برمّتها، ويُهدّد أحد أبرز مصادر الدخل الوطني. وإذا كانت الفنادق تحاول التمسك بما تبقى من قدرة على الاستمرار عبر إجراءات مؤلمة، فإن الكلفة الأكبر تبقى إنسانية واجتماعية، حيث تدفع اليد العاملة الثمن أولًا. وبين غياب الحلول السريعة وتفاقم الأزمات، يبقى السؤال مفتوحًا حول قدرة هذا القطاع على الصمود طويلًا، في ظل واقع اقتصادي لا يزال يزداد تعقيدًا يومًا بعد يوم.

أخبار متعلقة :