خبر

لبنان خارج الاتفاق.. داخل النار

كتبت نادي غصوب في “نداء الوطن”:

في خضمّ التصريحات المتضاربة حول الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، برز اسم لبنان بشكل مفاجئ في قلب النقاش، لا بوصفه طرفًا في التفاهم، بل كمساحة خلاف على تفسيره. بين من يؤكد أن الاتفاق يشمله، ومن ينفي ذلك بشكل قاطع، تتكشف حقيقة أكثر تعقيدًا: لبنان ليس جزءًا واضحًا من أي صيغة مستقرّة، بل ساحة مفتوحة لتبادل الرسائل الإقليمية.

حين أعلن مسؤولون باكستانيون، وفي مقدّمهم السفير في واشنطن ريزوان سعيد شيخ، أن الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران يشمل لبنان، بدا الأمر وكأنه توصيف واسع لتفاهم لم تُعلن تفاصيله كاملة. هذا الطرح لم يأتِ على شكل زلّة لسان أو قراءة فردية، بل عكس موقفًا رسميًا متماسكًا حاول أن يعطي الاتفاق بعدًا إقليميًا يتجاوز الإطار الضيّق. في المقابل، سارعت الولايات المتحدة إلى نفي هذا التفسير بشكل واضح، مؤكدة أن أي تفاهم مع إيران لا يتضمّن الساحة اللبنانية، فيما تعاملت إسرائيل مع الواقع الميداني على هذا الأساس، عبر استمرار عملياتها العسكرية من دون أي مؤشرات على التزام بتهدئة شاملة.

هذا التباين في الروايات لا يبدو مجرّد سوء فهم دبلوماسي، بل يعكس دينامية معروفة في إدارة النزاعات المعقدة، حيث يُترك الغموض مقصودًا، ويُستخدم كأداة بحدّ ذاته. كل طرف يقدّم روايته الخاصة للاتفاق، لا انطلاقًا من نصّ مكتوب بالضرورة، بل من موقعه السياسي وحساباته الاستراتيجية. في هذا السياق، قد تكون باكستان سعت إلى تضخيم نطاق الاتفاق لتثبيت دورها كوسيط، فيما فضّلت الولايات المتحدة حصره ضمن حدود تخدم أولوياتها، أما إيران فتميل تقليديًا إلى إبقاء الأمور ضمن مساحة رمادية تتيح لها الاحتفاظ بأوراق ضغط متعدّدة.

ضمن هذه المعادلة، لا يظهر لبنان كملف مستقلّ بحدّ ذاته، بل كامتداد مباشر لنفوذ “حزب اللّه”، وبالتالي كجزء من شبكة النفوذ التي تديرها إيران في المنطقة. هذا الواقع يجعل من الصعب فصل الساحة اللبنانية عن أي تفاهم إقليمي، حتى لو لم يُذكر اسمها صراحة في بنوده. لكن في الوقت نفسه، لا توجد مؤشرات على وجود إرادة دولية حقيقية لإدخال لبنان ضمن مظلّة حماية واضحة أو اتفاق صريح يحدّ من التصعيد على أراضيه.

ما يتشكّل فعليًا على الأرض هو نمط يمكن وصفه بـ “التصعيد المُدار”، حيث لا يبدو أي طرف مستعجلًا للوصول إلى حرب شاملة، لكن لا أحد يسعى أيضًا إلى فرض تهدئة كاملة. في هذا النموذج، تحتفظ إيران بقدرتها على التأثير عبر لبنان من دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، وتواصل إسرائيل عملياتها ضمن سقف محسوب يهدف إلى تقليص المخاطر من دون فتح جبهة واسعة، فيما تكتفي الولايات المتحدة بإدارة التوازنات من الخلف، من دون الانخراط في التزامات ميدانية مباشرة.

هذا النوع من التصعيد يخلق وضعًا هشًا بطبيعته. فهو قائم على توازن دقيق بين الرغبة في الضغط والخوف من الانفجار، لكنه يفتقر إلى عنصر أساسي: الضمانات. لبنان، في هذه اللحظة، ليس جزءًا من اتفاق واضح، ولا يتمتع بمظلّة ردع دولية فعّالة، ما يجعله عرضة لتقلّبات الميدان أكثر من أي طرف آخر. في غياب إطار رسمي يضبط قواعد الاشتباك، يصبح أي تطوّر ميداني قابلًا للتحوّل إلى نقطة تحوّل.

التاريخ القريب في المنطقة يبيّن أن النزاعات التي تُدار ضمن حدود محسوبة قد تنفلت فجأة نتيجة خطأ في الحسابات أو حادث غير متوقع. في بيئة مشحونة مثل جنوب لبنان، يمكن لضربة نوعية، أو سقوط عدد كبير من الضحايا، أو استهداف حساس، أن يغيّر قواعد اللعبة بسرعة، وينقل الوضع من حالة “التصعيد المضبوط” إلى مواجهة أوسع يصعب احتواؤها.

في ضوء كلّ ذلك، لا يمكن التعامل مع ما يجري في لبنان على أنه مجرّد امتداد ثانوي لتفاهمات كبرى، بل كعنصر أساسي في معادلة إقليمية غير مستقرة. هو ليس داخل الاتفاق، لكنه ليس خارج تأثيره أيضًا. إنه، ببساطة، في المنطقة الرمادية التي تُستخدم فيها الجغرافيا كأداة سياسية، وتُدار فيها الأزمات من دون حلول نهائية.

السؤال الذي يفرض نفسه هنا لا يتعلّق فقط بما إذا كان التصعيد سيستمرّ، بل بمدى قدرة الأطراف المختلفة على إبقائه تحت السيطرة. فبين حسابات الدول الكبرى، وأولويات القوى الإقليمية، وواقع الميدان، يبقى لبنان الحلقة الأكثر هشاشة، والأكثر عرضة لأن يتحوّل، في أي لحظة، من ساحة رسائل إلى ساحة انفجار.

أخبار متعلقة :