خبر

حين تختلط النبوءات بالسلاح… الدين في خدمة الحروب!

كتبت زيزي إسطفان في “نداء الوطن”:

العصف المأكول، زئير الأسد، الظلام الأبدي، مقلاع داوود، أولي البأس، آخر الزمان، قورش، هامان، هارمجدّون، البقرة الحمراء، العماليق، الهيكل الثالث، يأجوج وماجوج، قوس عيلام… تعابير تبدو غريبة لم نسمع بمعظمها سابقًا في خضمّ حياتنا العصرية التي يحكمها المنطق والتكنولوجيا لكنها تعود إلى الواجهة لتصبح جزءًا من سرديّات الحرب بين أميركا وإيران وإسرائيل و “حزب اللّه”. إسقاطات دينية عقائديّة يعود بعضها إلى آلاف السنين تسير جنبًا إلى جنب مع أحدث الأسلحة التكنولوجية في ترابط غريب عجيب إنما لافت ومثير للتساؤل: لماذا يستعين الأفرقاء على اختلافهم بمصطلحات دينية لإضفاء الشرعية على حروب تكاد تكون عبثية؟

خرجت مفاهيم عقائدية عن إطارها الديني البحت لتتحوّل إلى أدوات تعبئة تستخدم لتبرير الصراع وشحن الرأي العام وتحفيز المقاتلين من كلّ الأطراف. هي لم تعد مقتصرة على الخطاب السياسي وحده بل تفلّتت من عقالها وانتقلت إلى مواقع التواصل الاجتماعي حيث تسارع انتشارها واختلطت فيها الخرافات والأساطير المتجذرة في الوعي الديني الجماعي بالواقع النفسي والمعنوي للناس فأصبحت جزءًا من المواجهة على الأرض وسلاحًا معنويًّا يتحدّى أحدث الأسلحة التكنولوجية. استطلعت “نداء الوطن” هذه الظاهرة في سعي إلى تفسيرها.

صعود التأويلات الدينية

في الولايات المتحدة، كما في إيران ولبنان وإسرائيل والعديد من الدول العربية، اجتاحت المصطلحات الدينية مواقع التواصل. وفي هذا السياق، رصدت منصة إيكاد المتخصّصة بالتحقيقات كيف أنه منذ الساعات الأولى للحرب بدأ توظيف المصطلحات الدينية من قبل مسؤولين أميركيين وإسرائيليين لتأطير الصراع بشكل عقائدي. وتؤكد المنصة رصدها أكثر من 40 مصطلحًا نبويًا و 189000 منشور ديني نشرها 116000 حساب خلال شهر واحد وكيف قفز النشر في الأيام الخمسة الأولى للحرب بنسبة 740 % وكان المحتوى الديني أعلى بـ 8،6 من المعدل الطبيعي قبل الحرب وأصبحت إيران محور السردية النبوئية وقفز ربطها بالنبوءات التوراتية 66 % وبات ما يحدث اليوم تتميمًا لما جاء ذكره في نصوص دينية. في الجهة المقابلة، لم يكن الخطاب الديني وليد الحرب الحالية بل كان حاضرًا في كلّ الحروب السابقة من سردية النصر الإلهي إلى الوعد الصادق وأولي البأس والعصف المأكول وأسماء لأسلحة مثل خيبر وذو الفقار وفاتح ونصر… مع استحضار لكربلاء حيث “كل يوم عاشوراء، كل أرض كربلاء” ما يجعل الخصم الحالي امتدادًا لتلك الواقعة التاريخية الدينية… ويصبح الحاضر نهاية الزمان حيث ينتصر الخير على الشرّ…

يشرح د. يوسف كفروني الأستاذ في علم الاجتماع والعميد السابق في معهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية هذه الظاهرة قائلًا إن الأيديولوجية الدينية تستخدم لتعزيز لحمة الجماعة وشدّ عصبها ويتمّ توظيف أساطير دينية لأهداف معينة تحرّكها المصالح السياسية والاقتصادية غير المعلنة، فلا تعود الحرب مثلًا من أجل النفط أو السيطرة بل لمحاربة الشرّ. وكلّما قويَ الخطاب الديني من جهة، يشتدّ الخطاب الديني المقابل لمواجهته من الجهة الأخرى. ويشير د. كفروني إلى أن الغرب قد أجرى الكثير من الدراسات الأنتروبولوجية حول عقائد المنطقة وعرف كيف يستفيد من التناقضات الموجودة فيها.

نبوءات توراتية

في الحرب الحالية، كان للصهيونية المسيحية دورها الكبير في استخدام النبوءات التوراتية لتبرير الحرب، لأنها تعتقد أن لهذه النبوءات القديمة تتمة في الزمن الحاضر وهي تكتمل بعودة اليهود إلى فلسطين. وتتناقض هذه الأفكار  مع الأفكار المسيحية، لأنها في الواقع تنفي مجيء يسوع المسيح وهي أقرب إلى اليهودية منها إلى المسيحية، لا بل يمكن القول إنها ارتداد عن المسيحية، لأن الكنيسة لديها قراءة مختلفة للتوراة عن كل من اليهودية والمسيحية الصهيونية. والأكيد، أن تأثير الصهيونية المسيحية في أميركا كبير جدًا حيث يقدّر عدد المؤمنين بها بحوالى خمسين مليونًا، لديهم نشاط مؤثر وقوي إعلاميًا كما في الانتخابات الأميركية، وهم في معظمهم ينتمون إلى فئة الإنجيليين الذين يطلق عليهم اسم التدبيريين، فيما الفئات الإنجيلية الأخرى أو الكاثوليكية أو الأورثوذكسية لا تتماهى مطلقًا مع أفكار وطروحات الصهيونية المسيحية.

تاريخيًا، بدأت الدعوة إلى عودة اليهود إلى فلسطين في بريطانيا عند المسيحيين الصهيونيين قبل أن تتبناها الصهيونية اليهودية بثلاثة قرون. لا بل إن بعض الطوائف اليهودية رفضت هذه الفكرة بحجة أن العودة إلى أرض الميعاد تحتاج إلى مجيء المسيح. في القرن التاسع عشر وتحديدًا في العام 1895، أسس تيودور هرتزل رسميًّا الحركة الصهيونية اليهودية التي روّجت لفكرة تقول إن خلق دولة يهودية يساعد على مجيء المسيح المنتظر. في تلك المرحلة، كانت الحركات الاستعمارية في الغرب كما يشرح د. كفروني هي السائدة وتقضي بأن تسيطر الدولة الغربية على دول العالم ولو على حساب إبادة شعوب هذه الدول، وكانت الحركة الصهيونية ضمن هذا السياق الاستعماري. وبدأت الدعوات إلى عودة اليهود إلى فلسطين وواكبتها الصهيونية المسيحية التي كما أسلفنا تؤمن أن النبوءات التوراتية لها تتمة في هذا الزمن مع عودة اليهود إلى فلسطين وصولًا إلى معركة هرمجدّون التي تعني المعركة النهائية في آخر الأيام التي يأتي بعدها المسيح المنتظر، وهذه المعركة هي نوع من الحرب النووية تقوم لإبادة القوى الشريرة. لكن المستغرب في الأمر، هو أن هذه القوى كانت سابقًا متمثلة بالشيوعية والاتحاد السوفياتي وهي اليوم متمثلة بإيران وذلك دائمًا بالنسبة للصهيونية المسيحية.

سياسيًا، قدّمت الحركة الصهيونية نفسها لبريطانيا كحامية للحضارة الغربية في وجه البربرية، فباتت دولة وظيفية لخدمة المصالح الغربية، وفيما بعد انتقلت الرعاية من بريطانيا إلى أميركا وصارت قوتها في أميركا أكثر تأثيرًا لا سيّما وسط الكنيسة الإنجيلية التدبيرية، وصار دعم إسرائيل مبنيًا على إيمان ديني. واليوم، ومع الصراع القائم، قوي هذا الاتجاه الديني وبدأت تعود إلى الواجهة تعابير ورموز توراتية تضفي على الحرب القائمة هالة دينية وتخلق لها مبرّرات إيمانية.

بين قورش وهامان

لكن من يراقب ويحلّل ما يكتب على مواقع التواصل في أثناء الحرب الدائرة يجد أن ثمة مصلحة سياسية لاستخدام هذه المصطلحات الدينية. فالأميركيون اليوم، يبدون وكأنهم يسعون لأن يقدّموا أنفسهم قورش جديدًا (وهو ملك إيراني قديم ساعد اليهود) في حين أن إيران تمثل وزيره هامان الذي سعى وفق ما ورد في سفر أستير إلى طرد اليهود، فيما عملت أستير ملكة الفرس على إفشال مخططه وإنقاذ اليهود. وبهذا تصبح الحرب الحالية، استعادة لرواية توراتية قديمة بين الفرس واليهود. وقد ساعد انتشار كتاب سكوفيلد الذي قدّم شروحات للكتاب المقدس من سفر التكوين إلى سفر الرؤيا في تقديم شروحات داعمة للفهم الصهيوني المسيحي الذي يربط النبوءات بعودة اليهود وسيطرتهم.

من جهتهم، عمد الإسرائيليون إلى استعادة تعابير توراتية في صراعهم مع الفلسطينيين والإيرانيين و “حزب اللّه” اللبناني. ويبدو ذلك مثلًا في أسماء المعارك التي تحمل دلالات توراتية مثل “السيوف الحديدية ” في غزة ، أو “الظلام الأبدي” في لبنان، واستخدام كلمة العماليق للدلالة على الخصم حيث جاء في التوراة “أمح ذكر العماليق” وهم شعب واجه الإسرائيليين وتغلّب عليهم. وقد بدأ استخدام هذا المصطلح عقب عملية “طوفان الأقصى”،  وكان يشير إلى الفلسطينيين في العام 2023، وبات اليوم يشير إلى إيران ما يدلّ على القدرة على تحوير كل رمز ديني ليواكب المرحلة الحاضرة والعدو المستجد.

في كثير من الحروب السابقة استخدمت مصطلحات دينية لخدمة مصلحة الدولة السياسية والعسكرية، ولكن لو كانت مصلحة الدولة في اتجاه معاكس لتوقفوا عن استعمالها كما يقول د. كفروني.

نهاية الزمان

من جهة إيران و “حزب اللّه” لم يغب الخطاب الديني عن سرديتيهما في الحرب الأخيرة لا سيّما أن الدين في منطقتنا هو الأيدولوجية المسيطرة ويتم استخدامه لخدمة التوجّه السياسي للسلطة السياسية والدينية كما يشرح الاختصاصي في علم الاجتماع. من هنا استحضار كربلاء بشكل دائم والحديث عن آخر الزمان حيث يأتي المهدي المنتظر أو صاحب الزمان ويحكم بالعدل ويقتل الأشرار، ويبدو أننا قد أصبحنا في عصر نهاية الزمن. ويتمّ التركيز على المصطلحات الدينية الإيمانية، لأنها تعطي دافعًا أكبر للمقاتلين وفاعلية أعلى في المعارك، ويصبح المقاتل الذي يموت في ساحة القتال شهيدًا له الجنة والجزاء، فيصير مع رفاقه قادرين على مواجهة الموت والخطر برحابة صدر بفعل الإيمان المسلم به تسليمًا تامًا. وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنه كلّما زادت الأمور الحسية الملموسة المرتبطة بالإيمان مثل العجائب والخوارق والمكرمات كمثل الرائحة الذكية التي تفوح إبان الشهادة، يصبح الإيمان أشدّ وبالتالي تصبح الرغبة في التضحية بالنفس من أجل الهدف أمرًا مطلوبًا. وفي حين أن التضحية والشهادة من أجل الخير معتقدان موجودان في كل الحضارات والعقائد الفكرية، يبقى الإيمان الديني أفعل في خلق الحافز من أية أيديولوجيا فكرية.

ختامًا يقول د. كفروني إن الطائفية لا تحيا وتستمرّ من دون عداوة مع الطوائف الأخرى، كما أن ترسيخ فكرة امتلاك الحقيقة المطلقة لا يولّد إلّا أناسًا متعصبين كارهين للآخرين يرون أنهم يملكون الحقيقة فيما كلّ ما عداهم باطل، وهو الأمر الذي يؤسّس لتعصّب وحروب. وتبقى فكرة لا بدّ من التأكيد عليها أن المبادئ الجامدة ليست سوى دعاية وواجهة خارجية فيما الأطماع والمصالح هي الحقيقة الراسخة.

أخبار متعلقة :