كتبت أمل شموني في “نداء الوطن”:
وضع اللقاء المباشر بين لبنان وإسرائيل في البيت الأبيض في 23 نيسان وأثمر عن تمديد وقف إطلاق النار، تشريعًا لبنانيًا طالما كان يُعد من المحرمات، في صلب الدبلوماسية الأميركية. وذلك لأن الحظر المفروض على التواصل مع الإسرائيليين، بحسب مصدر في البيت الأبيض، لم يعد مجرد “موقف وطني” بقدر ما تحوّل إلى آلية يستخدمها “حزب الله” لضبط النقاش العام، وعرقلة جهود خفض التصعيد، ومنع الدولة من ممارسة دورها ومسؤولياتها كدولة فعلية.
ويضيف مصدر البيت الأبيض أن العبارة التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، “ستعمل الولايات المتحدة مع لبنان لمساعدته على حماية نفسه من حزب الله”، لم تكن مجرد انتقاد عابر آخر لميليشيا مدعومة من إيران، بل كانت تشخيصًا ضمنيًا لمدى التآكل الذي أصاب السيادة اللبنانية. فبيروت لا يمكنها “حماية نفسها” طالما أن هناك طرفًا مسلحًا يستخدم قوانين مكافحة التطبيع في البلاد بمثابة “فخ قانوني” لمعاقبة أي تواصل، وترهيب الأصوات الحرة، وتجميد الخيارات السياسية التي قد تقلل من مخاطر تجدد الحرب.
إن تنسيق البيت البيض غير المألوف لاجتماعات تجمع بين بلدين (لبنان وإسرائيل) تفتقر علاقاتهما الدبلوماسية إلى الطابع الرسمي، هو بحد ذاته رسالة وجهها ترامب. غير أن مضمونها الأكثر حدة وصرامة، وفقًا لمسؤولين أميركيين، حوّل مسار الحديث نحو القوانين اللبنانية التي تُجرّم التواصل مع الإسرائيليين. إذ برأي البيت الأبيض، الدولة التي تُحاكم مواطنيها لمجرد إجرائهم حوارًا “لا يمكن اعتبارها دولة ذات سيادة”. من هنا وجّه ترامب وزير خارجيته ماركو روبيو للضغط على القادة اللبنانيين من أجل إعادة النظر في “نظام مكافحة التطبيع” هذا، وفي “اعتباره شرطًا مسبقًا” لأي مسار دبلوماسي أوسع نطاقًا.
تجدر الإشارة إلى أن الحظر اللبناني في هذا الصدد لا يقتصر على تشريع واحد بعينه، بل هو عبارة عن شبكة متشعبة من القوانين؛ تشمل “قانون مقاطعة إسرائيل” الصادر عام 1955، وبنود قانون العقوبات المتعلقة بالتعامل مع “العدو”، ومواد قانون القضاء العسكري التي قد تجرّ المدنيين إلى إجراءات قضائية أمام المحاكم العسكرية والأمنية. أما من الناحية العملية، فتُجرّم هذه المواد طيفًا واسعًا من أشكال التواصل، سواء كان تجاريًا، أو أكاديميًا، أو صحافيًا، أو في إطار المجتمع المدني، وحتى التبادلات عبر الإنترنت، وتُعزز بعقوبات قد تصل إلى السجن والأشغال الشاقة. ويكمن الهدف الأساسي من هذا الاتساع والغموض، بحسب ناشطي حرية الرأي، في تمكين “حزب الله” وحلفائه من التعامل مع مفهوم “التواصل” باعتباره تهمة مرنة وقابلة للتطويع، مما يتيح لهم تحويل نزاع في السياسة الخارجية إلى اختبار للولاء الداخلي.
هذه الديناميكية تحديدًا هي السبب وراء تحوّل هذا الـ “taboo” إلى عامل مؤثر ضمن أجندة السياسة الأميركية. في هذا السياق، لفت مصدر أميركي إلى أن القوانين المناهضة للتطبيع “تزيد من خطر سوء التقدير”، واصفًا هذه التشريعات بأنها “عقبة أمام تنفيذ” قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701، الذي يعتمد في جوهره على آليات عملية، سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة، لإدارة الحوادث، وتجنب الصدام، والتحقق من الامتثال. “فمتى جُرِّم مجرد التواصل الأساسي، بدت عملية حل المشكلات التقنية وكأنها ضرب من ضروب الخيانة”.
ومن الكابيتول، يتبنى عضو الكونغرس الأميركي دارين لحود المنظور ذاته، قائلًا لـ “نداء الوطن” إنها “فرصة لا تتكرر إلا مرة واحدة في كل جيل، وتتيح للبنان استئصال السرطان الخبيث المتمثل في “حزب الله”، والعمل نحو تحقيق التطبيع والسلام مع إسرائيل”. وأضاف “ينبغي أن تكون جميع الخيارات السياسية والدبلوماسية مطروحة على الطاولة… كما يجب أن يمثل الاستقرار والسلام لكلا البلدين الركيزة الأساسية لهذه المناقشات”.
في الإطار عينه، تؤكد مصادر دبلوماسية أميركية أن الرسالة الضمنية واضحة وصريحة: فما دام “حزب الله” قادرًا على تعريف “المقاومة” باعتبارها الموقف الوطني الوحيد المسموح به، ستظل الحكومة اللبنانية مجرد “مقاول فرعي” ينفذ استراتيجية تمليها ميليشيا مسلحة.
ويرى إد غابرييل، رئيس مجموعة العمل الأميركية من أجل لبنان، أن إعادة النظر في هذا الحظر ينبغي التعامل معها باعتبارها مسألة “تحديد تسلسل زمني للخطوات”، لا استسلامًا. وقال لـ “نداء الوطن” “يمكن تصنيف رفع القيود المفروضة على التواصل بين إسرائيل ولبنان كإجراء لبناء الثقة”. وأضاف “إن خطوة كهذه من جانب لبنان، يكملها تحرّك مماثل من جانب إسرائيل، من شأنها أن تعزز الثقة وتدفع قدمًا بالأهداف الأميركية المتعلقة بالاستقرار الإقليمي”. غير أن غابرييل حذر أيضًا من أنه في حال رفضت بيروت اتخاذ هذه الخطوة، فإن ذلك “سينطوي على خطر حدوث انتكاسة في العلاقات المتنامية بين الولايات المتحدة ولبنان… كما سيجعل لبنان يبدو وكأنه يفتقر إلى الجدية في طلباته الرامية إلى إجراء حوار مع إسرائيل”.
وبعبارة أخرى، بدأت واشنطن تنظر إلى هذا الـ “taboo” باعتباره مؤشرًا حاسمًا يحدد ما إذا كانت بيروت قادرة حقًا على إدارة دبلوماسيتها الخاصة وتحقيق نتائج ملموسة، أم أن “حزب الله” لا يزال هو من يمسك بزمام الأمور ويتحكم بالمشهد عن بُعد. في هذا السياق، تقول هاجر حجار شمالي، المسؤولة السابقة في مجلس الأمن القومي الأميركي والمؤسّسة المشاركة لـ “تحالف السلام بين لبنان وإسرائيل”، لـ “نداء الوطن”، إن نفاد صبر الإدارة الأميركية تجاه هذا الملف ينبع من مزيج من الدوافع الأيديولوجية والحوافز العملية. فإدارة ترامب أوضحت بجلاء تام أن توسيع “اتفاقيات أبراهام” يُعد أحد أبرز أولوياتها السياسية، مشيرةً إلى أن الدول التي انضمت إلى هذه الاتفاقيات قد جنت فوائد اقتصادية، فضلاً عن تعزيز التعاون الأمني في مواجهة إيران. وأضافت أن هذا القانون اللبناني يشكل “عقبة كبرى أمام تحقيق السلام، وذلك لسببين وجيهين: فهو يعيق التواصل بين الشعوب، ويخنق حرية التعبير داخل لبنان”. وذكرت أن ترامب “أُصيب بالذهول حين علم بوجود هذا القانون؛ إذ إنه يرغب في إلغائه تمامًا”.
وتشير شمالي إلى ضرورة إلغاء هذا القانون استنادًا إلى هيكلية عقوبات تتعامل مع “تقويض عملية السلام” وتمويل الإرهاب باعتبارهما جزءًا من مسار تهديد واحد. كما قالت إنه جرى تحديث الأمر التنفيذي رقم 13224، الذي وقعه ترامب خلال ولايته الأولى، والذي شمل صراحة “الأعمال الإرهابية التي تهدد عملية السلام في الشرق الأوسط”. وتقول شمالي إن الجانب السياسي لا يقل أهميةً عن الأدوات القانونية، مضيفة أن “الدعوة إلى الحوار في ظل الإبقاء على قانون يمنع الناس فعليًا من التحدث إلى الإسرائيليين، يعكس عدم جدية بيروت. وهذا الأمر سيجعل الإدارة الأميركية تصرف اهتمامها عن الملف، لتقول في نهاية المطاف: إن الأمر لا يستحق ما نبذله من وقت وجهد”.
من جانبه، يطرح الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات حسين عبد الحسين حجةً مفادها بأن إلغاء هذا الحظر لا يتعلق بإسرائيل بقدر ما يتعلق بفك القيود عن الحياة السياسية في لبنان. ويقول لـ “نداء الوطن” في هذا الصدد “عندما يتمكن أولئك الذين يدعمون السلام أو يتحدثون مع الإسرائيليين من العمل دون عوائق قانونية أو ملاحقات قضائية، حينها يمكنهم الدعوة للسلام علانيةً. إن الرأي العام في أي بلد ليس أمرًا ثابتًا وجامدًا، بل هو يتطور وينضج من خلال النقاش والحوار”. ويضيف عبد الحسين “من خلال منع النقاش، تحرم القوانين اللبنانية الجمهور من المعلومات اللازمة لاتخاذ خيارات واعية ومستنيرة”. كما يضيف أن هذه التشريعات “تتعارض مع الدستور اللبناني، الذي يكفل حرية التعبير باستثناء حالات الخيانة الصريحة”؛ ومن وجهة نظره، فإن مسألة الخيانة هذه لا تنطبق على الصحافيين بقدر ما تنطبق على “حزب الله” وولائه المُعلن لجهة راعية أجنبية.
ويؤكد مسؤولون أميركيون أن نطاق تطبيق هذا القانون ليس مجرد مسألة نظرية؛ إذ أشار أحدهم إلى الجالية اللبنانية المنتشرة في اقتصادات العالم حيث يعمل الإسرائيليون أيضًا. وفي هذا السياق، يمكن لسياسة التجريم الشاملة أن تجعل ممارسة الحياة المهنية الاعتيادية محفوفةً بالمخاطر القانونية بالنسبة للمواطنين اللبنانيين بمجرد عودتهم إلى وطنهم. وقال دبلوماسي أميركي سابق إن هذه القواعد تخلق مشكلة تتمثل في “التطبيق الانتقائي للقانون”؛ فيما أن تعريف “التواصل المحظور” يتسم بالمرونة والاتساع، يتحوّل القانون إلى أداة لتهديد المنتقدين، وترهيب وسائل الإعلام، وخنق مؤسسات المجتمع المدني، في حين يحتفظ “حزب الله” بقنوات الاتصال الخاصة به، بشكل فعلي وواقعي، كلما اقتضت احتياجاته العملياتية ذلك. وتتمثل النتيجة النهائية في حالة من عدم التكافؤ: فاللبناني مقيّد ومكبّل، بينما الميليشيا طليقة وغير خاضعة للقيود.
من هنا يعتبر مصدر في الخارجية الأميركية أن إعادة النظر في القانون اللبناني المناهض للتطبيع لا تفرض على بيروت أن تقوم بـ “التطبيع غدًا”، بل تقتضي أن يتوقف البرلمان عن تفويض صلاحيات السياسة الخارجية لميليشيا مسلحة. لذا، يُعتبر توجيه ترامب في 23 نيسان أكثر من مجرد كلام. فواشنطن، بحسب المصدر، مستعدة لاستخدام أدوات مثل الأمر التنفيذي 13224 لمواصلة الضغط من أجل الإصلاح القانوني داخل لبنان، خصوصًا وأن جزءًا من المعركة هو “حرمان حزب الله من الأدوات المحلية التي يستخدمها لرفض البدائل”.
أخبار متعلقة :