خبر

البلديّات بين المنفعة العامّة والهوى الحزبيّ… من يحمي القانون من التطييف؟

كتب يحيى عيسى في “نداء الوطن”:

لطالما شكّلت البلديات في لبنان المساحة الأقرب إلى الناس، والواجهة التي يُفترض أن تعكس مفهوم الدولة في أبسط تجلّياتها: خدمة المواطن وتحقيق المنفعة العامة بعيدًا من الحسابات الضيقة. ومن هنا جاءت المادة 47 من قانون البلديات واضحة وصريحة، حين نصّت على أن «كل عمل ذي طابع أو منفعة عامة في النطاق البلدي من اختصاص المجلس البلدي»، واضعة بذلك معيارًا قانونيًا يُفترض أن يحكم عمل البلديات ومجالسها المنتخبة.

غير أنّ الواقع، في كثير من الأحيان، أخذ البلديات إلى مكان آخر، حيث تحوّلت بعض المجالس من مؤسسات محلية مستقلة، إلى امتدادات سياسية وحزبية، بل وأحيانًا مذهبية ودينية، تعكس هوية القوى التي فازت فيها، أكثر مما تعكس مصلحة الناس جميعًا.

فالانتخابات البلدية، نظريًا، تُخاض على أساس البرامج الإنمائية والرؤى المحلية المتعلقة بالطرق، والبنى التحتية، والبيئة، والمياه، والخدمات، وهي تشكّل إحدى ركائز اللامركزية الإدارية التي دعا إليها اتفاق الطائف. كما أنّ البلديات تتمتع بشخصية معنوية واستقلال مالي وإداري، وإن كانت تخضع لوصاية وزارة الداخلية والسلطات الرقابية. إلّا أنّ التجربة اللبنانية أظهرت مرارًا أنّ بعض الأحزاب، وحتى بعض العائلات التي تفوز في الانتخابات، تتعامل مع المجلس البلدي وكأنه جزء من بنيتها التنظيمية أو مساحة نفوذ خاصة بها، حيث تصبح الخدمات والمشاريع والقرارات مرتبطة بمصلحة الحزب أو الجهة المسيطرة، أكثر من ارتباطها بالمصلحة العامة.

ولا يقتصر الأمر على الأحزاب وحدها، فحتى بعض البلديات غير المحسوبة سياسيًا على أي طرف نافذ، تمارس أحيانًا نوعًا من «الانتقام البلدي» في حق الخصوم والخاسرين في الانتخابات، من خلال حجب الخدمات أو تهميش أحياء وعائلات معيّنة، أو حصر المساعدات بالبيئة المؤيدة. هذا الواقع يجعل المشكلة أبعد من فئة سياسية محددة، بل مرتبطة بعقلية التعاطي مع السلطة المحلية في لبنان عمومًا.

في بعلبك الهرمل، حيث يسيطر ثنائي حركة “أمل” و”حزب الله” على كل البلديات في القرى الشيعية، إلى جانب تحالفات مع عائلات وشخصيات من طوائف مختلفة، برز خلال الفترة الأخيرة مشهد أثار الكثير من الجدل ضمن البيئة الشيعية وغيرها من الطوائف، تمثّل برفع يافطات ومواقف «مبايعة» للمرشد الإيراني الجديد السيد مجتبى خامنئي، مذيّلة بأسماء بلديات واتحادات بلديات، من القرى الشرقية والغربية، وصولًا إلى بعلبك والهرمل، بطلب من رؤساء الاتحادات البلدية، وفق ما نقل رؤساء البلديات. وفي حين يرى البعض أنّ هذه الخطوات تدخل في إطار القناعة السياسية أو الدينية لمن يقف خلفها، فإنّ الإشكالية الحقيقية تكمن في ربط هذا الموقف بمؤسسة عامة، يُفترض أنها تمثل جميع أبناء البلدة، لا فئة واحدة منهم.

ولأنّ المجلس البلدي ليس حزبًا سياسيًا، ولا مؤسسة دينية، بل هيئة منتخبة لإدارة الشأن المحلي وتحقيق المنفعة العامة، يُطرح سؤال ليس مرتبطًا بحرية الأفراد في التعبير عن قناعاتهم، بل بمدى قانونية استخدام اسم البلدية وموقعها المعنوي في مواقف سياسية أو دينية، لا تدخل ضمن إطار المنفعة العامة المنصوص عليها في المادة 47. وهل تشكّل «المبايعة» أو رفع الشعارات السياسية والدينية عملًا بلديًا يدخل ضمن اختصاص المجلس البلدي؟ وكيف يمكن لبلديات تضم أعضاء من طوائف واتجاهات مختلفة، أن تُزَجّ في مواقف لم يُستشر بها الجميع، ما يضع بعض الأعضاء في مواجهة بيئاتهم وعائلاتهم؟

القانون لم يترك البلديات بلا رقابة، وهي تتبع مباشرةً لوزارة الداخلية. كذلك، فإنّ المحافظ أو القائمقام ليسا مجرد صندوق بريد إداري، بل يملكان صلاحيات رقابية واضحة على أعمال البلديات، تبدأ من مراقبة القرارات البلدية وشرعيتها، ولا تنتهي عند إمكان وقف أو إبطال بعض القرارات إذا تبيّن أنها تتجاوز مبدأ المنفعة العامة، أو تخرج عن اختصاص المجلس البلدي، فيما يبقى مجلس شورى الدولة المرجع القضائي المخوّل النظر في الطعون المتعلقة بتجاوز حدّ السلطة أو إساءة استعمالها.

لكنّ الإشكالية الحقيقية لا تكمن دائمًا في النص القانوني، بل في الجرأة على تطبيقه. فحين تتحول البلديات إلى منصات سياسية ودينية علنية، ويُستخدم اسم المؤسسة العامة في مواقف تتعلق بولاءات خارج الحدود، أو انقسامات مذهبية داخلية، يصبح السؤال مشروعًا حول دور المحافظين ووزارة الداخلية: هل الرقابة الإدارية موجودة فقط على معاملات البناء والإنفاق المالي، أم أنها تشمل أيضًا حماية مفهوم البلدية كمؤسسة لكل الناس؟ وهل يجوز السكوت عن تطييف البلديات وتحويلها إلى أدوات اصطفاف، فيما القانون يتحدث بوضوح عن «المنفعة العامة» لا عن المنفعة الحزبية أو العقائدية؟

الأخطر من كل ذلك، أنّ استمرار هذا النهج لا يضرب مفهوم البلدية فقط، بل يضرب فكرة الدولة نفسها. لأنّ المواطن حين يشعر أنّ البلدية باتت تمثل حزبًا أو طائفة أو محورًا سياسيًا، يفقد ثقته بها كمؤسسة عامة، ويتحول الانقسام السياسي إلى انقسام داخل الشارع والحي والعائلة الواحدة. ومن هنا، فإنّ إعادة الاعتبار للمادة 47 ليست تفصيلًا قانونيًا، بل معركة فعلية لحماية ما تبقّى من مؤسسات يُفترض أنها وُجدت لخدمة الناس جميعًا، لا لتكريس الغلبة السياسية أو المذهبية تحت غطاء العمل البلدي.

أخبار متعلقة :