خبر

وراء ضجيج “البروباغندا”.. محور ينهار

كتبت جوسلين البستاني في “نداء الوطن”:

في 9 أيار 2026، شارك جنود كوريون شماليون، من وحدات العمليات الخاصة النخبوية “فيلق العاصفة”، في عرض “يوم النصر” الروسي الذي يُقام سنويًا في الساحة الحمراء بموسكو. كانت الصورة لافتة: قوات أجنبية، تحت راية أجنبية، تستعرض في القلب الرمزي للفخر العسكري الروسي. قدّم الكرملين هذا المشهد بوصفه دليلا على التضامن الاستراتيجي، لكن الواقع روى قصة مختلفة، قصة استنزاف روسيا لمواردها البشرية والصناعية بعد أكثر من ثلاث سنوات على حرب توقّعت موسكو أن تُحسم خلال أسابيع قليلة. وفي هذا السياق، جاء تقليص حضور الآليات الثقيلة في العرض السنوي انعكاسًا لنقص المعدات والخسائر القتالية الكبيرة.

لكن المؤشر الأوضح على إنهاك الكرملين فصدر عن فلاديمير بوتين نفسه، حين لمّح علنًا إلى أن الحرب في أوكرانيا قد تكون “تقترب من نهايتها”، معربًا عن استعداده لمفاوضات مباشرة مع فولوديمير زيلينسكي، بعد سنوات من الخطاب التصعيدي والحاد.

وتتكرر الدينامية نفسها في الشرق الأوسط مع “حزب الله”، فعلى مدى عقود، شكل هذا التنظيم الوكيل الإقليمي الأبرز لإيران والعمود العسكري لما يعرف بـ”محور المقاومة”. وقد أرسل آلاف المقاتلين إلى سوريا دعما لنظام بشار الأسد، ودرّب ميليشيات عراقية، وساند الحوثيين في اليمن. وبذلك، تحوّل إلى القوة المضاعفة الرئيسية للمحور، ومُصدّر للخبرات العسكرية عبر الشبكة الإقليمية الإيرانية.

غير أن الحرب التي أعقبت هجمات 7 تشرين الأوّل 2023 غيرت هذا التوازن جذريًّا. فقد أدت العمليات الإسرائيلية إلى تقويض منهجي لبنية القيادة والقدرة الردعية لدى “حزب الله”، قبل أن يصبح معتمدًا بصورة متزايدة على الدعم الخارجي لتعويض الاستنزاف البشري في ساحات القتال. ويشمل ذلك مقاتلين عراقيين وفلسطينيين وحوثيين وعناصر من “الحرس الثوري”.

إضافة إلى الخسائر العسكرية، جاء التراجع المالي. فقد توقفت إيران، الراعي الأساسي لـ”الحزب”، عن التصرف كممول مفتوح بلا سقوف، وتحولت تدريجيًّا إلى إدارة موارد أكثر محدودية تحت وطأة العقوبات والضغوط الإقليمية. ويتجلى عمق الأزمة المالية في تقارير تحدثت عن لجوء شبكات مرتبطة بهذا التنظيم، عقب حرب إسناد غزة، إلى بيع الخردة المعدنية المستخرجة من الأحياء المدمرة في جنوب لبنان لتأمين جزء من التمويل اللوجستي والتشغيلي. فبعدما ارتبط اسم “حزب الله” يومًا بالتمدد الإقليمي وفائض القوة، بات يؤمن جزءًا من موارده من ركام الحرب نفسها.

أما إيران، فهي أيضا تواجه قيودًا وأزمات متزايدة، رغم خطابات النصر الصادرة عن قيادتها، والتي تروج لها كذلك بعض وسائل الإعلام الأميركية والصحافيين المناهضين للإدارة الأميركية الحالية. وعلى سبيل المثال، كتب توماس فريدمان في إحدى مقالاته في The New York Times أنه يعيش تناقضًا بين رغبته في هزيمة إيران ورفضه أن يترجم ذلك إلى مكسب سياسي لكل من بنيامين نتانياهو ودونالد ترامب. فيما مال آخرون إلى التقليل من حجم النجاح العسكري الأميركي ضد طهران، بل تبنى بعضهم خطابًا سلبيًا حادًا منح، في مقاربته للأحداث، أولوية للرواية الإيرانية.

ومهما يكن التفسير السياسي لنتائج الحملة العسكرية الأميركية ضد إيران، فمن الصعب تجاهل الخسائر الفادحة التي تكبدتها طهران، سواء على المستوى المادي أو العسكري أو الاقتصادي، أو حتى على مستوى بنيتها القيادية والسياسية.

بدورها، تواجه الصين هشاشات بنيوية خلف خطابها الجيوسياسي الواثق، رغم أنها تعدّ إحدى الركائز الأساسية في هذا المحور التعديلي الساعي إلى إعادة تشكيل النظام الدولي. وفي مطلع عام 2026، أعلنت بكين أدنى هدف للنمو الاقتصادي منذ عقود، في ظل ضعف الطلب الداخلي، واستمرار أزمة القطاع العقاري، وتراجع الاستثمار، والضغوط الانكماشية المتواصلة.

بالتالي، يتسع الفارق بين السردية والواقع. فـ”الحزب” يؤدي دور “المقاومة” وسط الاستنزاف والانهيار المالي والتراجع المستمر ميدانيًا. بينما احتفلت روسيا، التي لا تزال تقدم نفسها بوصفها “قوة عظمى”، بـ”يوم النصر” بجنود أجانب ودبابات غائبة. أما إيران فتواصل ادعاء “الهيمنة الإقليمية” رغم الإنهاك العسكري والاقتصادي والسياسي المتصاعد. وصولا إلى الصين، التي ترفع شعار “الحتمية التاريخية” بينما تكافح تباطؤًا بنيويًا، وانكماشًا اقتصاديًا، وهشاشات داخلية عميقة.

كل طرف من هذه الأطراف يعوض تراجع قدراته عبر بروباغندا صاخبة واستعراضية، يعلو صوتها تحديدًا لأن الواقع بات أكثر صعوبة على الإخفاء. فالدول والحركات الصاعدة فعلا، نادرًا ما تحتاج إلى الإعلان المستمر عن حتمية صعودها. أما القوى المتراجعة، فتميل بدرجة أكبر إلى العروض الرمزية وخطابات القوة للحفاظ على الردع والمعنويات والشرعية السياسية.

لا يعني ذلك أن هذا المحور فقد قدرته على زعزعة الاستقرار. لكن الاتجاه العام يبقى ذا دلالة. فخلف خطاب “النصر” و”المقاومة” و”الحتمية التاريخية”، يبرز محور يُعرَّف أكثر فأكثر بالإنهاك والانكفاء، ويواصل أعضاؤه إسقاط صورة الثقة والقوة، لأنهم لم يعودوا قادرين على إنتاجها فعليًّا من الداخل.

لذلك، كلما ازداد الضجيج صخبًا وارتفع منسوب خطاب القوة، ازداد التراجع انكشافًا. فكيف سيكون الحال إذا ما عادت الحملات العسكرية ضد إيران؟

أخبار متعلقة :