كتب ألان سركيس في “نداء الوطن”:
لم تكن جلسات التفاوض التي عُقدت الخميس والجمعة عادية. سبع ساعات ونصف الساعة في اليوم الأول، وست ساعات ونصف الساعة في اليوم الثاني، في مؤشر واضح إلى أنّ الملف اللبناني دخل مرحلة مختلفة ومقاربة تختلف عن سابقاتها.
خرج معظم ما جرى تداوله إلى العلن، لكن الجزء الأكثر حساسية بقي بعيدًا من التداول، وتؤكد المعلومات أن تفاصيل أساسية لا تزال في عهدة القصر الجمهوري، فيما يتولى رئيس الجمهورية جوزاف عون إدارة هذا الجزء من المفاوضات بالتنسيق مع القوى السياسية المعنية، وسط تكتم شديد يحيط ببعض البنود التي لم يحن وقت كشفها بعد، خصوصًا تلك المرتبطة بالشقين الأمني والعسكري.
وتكشف أوساط مواكبة للمفاوضات لـ “نداء الوطن” عن أن صورة الوضع ليست مريحة، وأن الرهان الفعلي لم يعد على الداخل اللبناني بقدر ما بات على مسار التطورات الإقليمية، وتحديدًا ما سيؤول إليه الملف الإيراني. فبحسب الأوساط، فإنّ “حزب الله” لا يزال يربط حساباته بالكامل بطهران، وأي اتفاق لا ينسجم مع السقف الإيراني سيبقى معرّضًا للاهتزاز أو التعطيل في أي لحظة. لذلك، يبدو واضحًا أنّ لبنان دخل عمليًا مرحلة الانتظار الإجباري لما ستقرره واشنطن حيال إيران، في ظل اقتناع دولي بأن المرحلة الحالية لا يمكن أن تستمر طويلا بالشكل القائم.
وفي هذا السياق، تتحدث المعطيات المستقاة من واشنطن عن أنّ قرار الحسم في الملف الإيراني يقترب تدريجيًا، لأنّ استمرار الوضع الحالي لم يعد قابلا للاستمرار، لا بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي ولا بالنسبة إلى الأمن الإقليمي. وتؤكد المعلومات أنّ الأسابيع المقبلة ستكون مفصلية، مع ارتفاع الحديث داخل الدوائر الأميركية عن احتمال الانتقال إلى مرحلة مختلفة في التعامل مع طهران، سواء عبر تسوية كبرى أو من خلال ضربة عسكرية تبقى احتمالاتها قائمة بقوة، خصوصًا في ظل التصعيد المتواصل في أكثر من ساحة إقليمية مترابطة.
وتتعامل الأوساط اللبنانية مع هذا التطور على أنّه نقطة التحول الأساسية، لأن أي تسوية أو مواجهة مع إيران ستنعكس حكمًا على لبنان. وتفصل واشنطن بين الساحات، فيما يبدو أن المنطقة دخلت مرحلة العصر الأميركي، ولن تعود الكلمة لطهران أو حلفائها.
لكنّ التطور الأبرز في الجلسات الأخيرة للتفاوض لم يكن سياسيًا فقط، بل عسكريًا أيضًا. إذ تكشف المعلومات أن الاتفاق الذي تم على عقد اجتماع عسكري في البنتاغون في 29 أيار المقبل هو خطوة تعكس انتقال الملف اللبناني إلى مستوى مختلف من المتابعة الأميركية، وخصوصًا أن واشنطن باتت تتعامل مع الوضع جنوبًا باعتباره جزءًا من الأمن الإقليمي لا مجرد ملف حدودي محلي.
صحيح أن هذا الاجتماع يؤكد حجم الاهتمام الأميركي بلبنان، لكنّه في المقابل يثير قلقًا لبنانيًا واضحًا، لأنّه يفصل المسار العسكري عن المسار السياسي الدبلوماسي. وخلال اجتماعات الخميس والجمعة، شارك الملحق العسكري اللبناني في واشنطن العميد أوليفر حاكمة إلى جانب السفير السابق سيمون كرم والسفيرة ندى معوض ضمن الوفد التفاوضي، إلا أنّ المرحلة المقبلة ستأخذ منحى مختلفًا، مع اجتماعات عسكرية مباشرة بين وفدين من لبنان وإسرائيل برعاية وفد عسكري أميركي كبير داخل البنتاغون.
وتكمن المخاوف اللبنانية في أن هذه الاجتماعات لن تبقى تقنية فقط، بل قد تتحول إلى مساحة ضغط مباشر على الجيش اللبناني، خصوصًا إذا طُرحت مطالب ميدانية مرتبطة بالوضع الأمني في الجنوب، وخاصة جمع سلاح “حزب الله”. وهنا تكبر الحساسية، لأن أي إجراءات قد تضع المؤسسة العسكرية في مواجهة إحراج داخلي كبير في ظل تمهّل داخلي وغياب قرار سياسي واضح بسحب سلاح “الحزب”، ولا سيما إذا ارتبطت المساعدات العسكرية الأميركية بتنفيذ طلبات محددة.
وتقرأ جهات سياسية ما يجري على أنّه بداية مرحلة جديدة عنوانها الضغط المباشر، فيما يبدو أن القرار الكبير لم يعد بعيدًا، وبالتالي على السلطة السياسية مواكبة هذه التطورات في ظل تمادي “حزب الله” في تخوين السلطة السياسية ورفضه التفاوض المباشر.
أخبار متعلقة :