كتب غاصب المختار في “اللواء”:
كان من الطبيعي أن تفشل جولة المفاوضات العسكرية في مبنى وزارة الدفاع الأميركية – البنتاغون يومي الجمعة والسبت، بين وفود لبنان وأميركا وكيان الاحتلال الإسرائيلي، نتيجة عدم تلبية إسرائيل أي مطلب لبناني عسكري تقني ينهي المجازر المرتكبة بحق المدنيين وطواقم المسعفين في الجنوب، ذلك ان اندفاع الاحتلال نحو التوغل في مناطق جنوبية جديدة وصولا الى مشارف مدينة النبطية بعد إعلان الاحتلال السيطرة على قلعة الشقيف، ومشارف مدينة صور أيضا، دفعه الى التشدّد أكثر في مطالبه وشروطه، بينما خرج بيان وزارة الخارجية الأميركية عن الاجتماع العسكري بعبارات عمومية غير واضحة النتائج ولا تعبّر عن حقيقة ما جرى في كواليس الاجتماع.
ومع إقرار الإعلام العبري ان المفاوضات وصلت الى طريق مسدود في الجولات السابقة كلها، بات من الضروري أن يحدّد لبنان الرسمي خياراته البديلة عن التفاوض المباشر العسكري والسياسي غداً، طالما ان الكيان الإسرائيلي والإدارة الأميركية لم يلتزما بتثبيت وقف اطلاق النار وهو المطلب الاول للبنان، بل مضيا في استمرار المناورات السياسية وكسب الوقت لتوسيع نطاق احتلال الأراضي الجنوبية، لتحقيق مزيد من الضغوط السياسية على لبنان للسير في الخيارات الأميركية والإسرائيلية من دون تقديم أي خطوة تفيد المفاوض اللبناني في إقناع الجمهور بجدوى التفاوض، وتخفف الإحراج عن الحكم والحكومة اللذين ما زالا مندفعين نحو خيارهما الذي لم يؤدِّ ويبدو انه لن يؤدي الى أي نتيجة.
ولعلّ أبرز ما يجب أن يفعله لبنان هو الانسحاب من المفاوضات وتعليقها حتى تجد الإدارة الأميركية نفسها مضطرة لمراجعة سياستها تجاه لبنان، ولا سيما ان الاحتلال يجد نفسه غير مضطر لتقديم أي تنازل للبنان طالما انه يحقق انتصارات على الأرض من وجهة نظره.. ولقد أكد أكثر من مصدر سياسي بمن فيهم الرئيس فؤاد السنيورة انه بإمكان لبنان تعليق المفاوضات والانسحاب منها حتى تحقيق تثبيت وقف اطلاق النار. وثمة من طرح أيضا وقف التفاوض مع الكيان الإسرائيلي وحصره بالجانب الأميركي باعتباره من يملك قرار الحرب والسلم فعلياً وقرار فرض تثبيت وقف اطلاق النار على كيان الاحتلال لو أراد، لكن الإدارة الحالية تريد إخضاع لبنان لإنقاذ إسرائيل من أزماتها، طالما انها تخشى انهيار المفاوضات على الجبهتين اللبنانية والإيرانية نظرا لترابطهما العضوي السياسي والعسكري. لذا يرتقب لبنان موقف الإدارة الأميركية وإمكانيات تبدّل السياسة الأميركية المتبعة برغم صعوبة إن لم يكن إستحالة ذلك في ظل الظروف والمعطيات القائمة.
وثمة من يرى ان فشل التفاوض بات ورقة قوية بيد حزب الله ليكمل مواجهته ضد الاحتلال ويتشدد في رفض تسليم السلاح أو حتى مناقشة هذا الموضوع إلّا بحالة واحدة هي إنهاء الاحتلال بالكامل والانسحاب الكامل وتحرير الأسرى وعودة الجنوبيين الى قراهم، فمن دون تحقيق هذه الأهداف المشروعة، ومن دون تراجع الاحتلال ولو خطوة، لا جدوى من استمرار التفاوض، بل من الأفضل ربما استمرار استنزاف قوات الاحتلال عسكرياً برغم الثمن المرتفع الذي يدفعه الجنوب وأهله. ما يعني ان وضع الجنوب عاد الى مرحلة الاحتلال الإسرائيلي بين العامين 1982 و2000، بما يشمل استمرار المواجهات العسكرية والمجازر بحق المدنيين وتدمير مقومات الحياة.
وما يزيد في إحراج الحكم والحكومة في لبنان، ان قادة الاحتلال يؤكدون يوميا استمرار العدوان للتوسّع أكثر، حيث قال وزير الحرب الإسرائيلي كاتس أمس الأحد: سيبقى جنودنا في قلعة الشقيف كجزء من المنطقة الأمنية بلبنان. وسنهدّم آلاف المنازل في جنوب لبنان. فيما قال وزير الأمن الصهيوني: المعركة في جنوب لبنان لن تنتهي بالسيطرة على قلعة الشقيف. وعلى هذا باتت الأمور مكشوفة وواضحة. لا تراجع إسرائيلياً عن التصعيد والتوسّع على الأرض إذا أمكن، قبل التزام لبنان بكل مندرجات الشروط الإسرائيلية بإقامة منطقة أمنية عازلة واسعة وخالية من البشر والحجر في الجنوب، وحصول ترتيبات أمنية بالشروط الإسرائيلية ولو على حساب مصلحة لبنان وسيادته على أراضيه، وبرضى أميركي كامل وصمت دولي خطيرين والهدف الأبعد من كل هذا هو التوصل الى اتفاق سياسي بين لبنان وإسرائيل يحمل ما يحمل من فرض تنازلات إضافية.
أخبار متعلقة :