كتبت د. جوسلين البستاني في “نداء الوطن”:
أعاد اتفاق وقف إطلاق النار الذي أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 1 يونيو 2026، لاحتواء التصعيد بين إسرائيل ولبنان، إحياء الجدل حول طبيعة مراكز النفوذ وصنع القرار في لبنان. فبينما نسبت أوساط مؤيدة للرئيس جوزاف عون الاتفاق إلى تحرك الدولة اللبنانية وقنواتها الدبلوماسية، سعت أوساط مقربة من حزب الله وحركة أمل إلى إبراز رئيس مجلس النواب نبيه بري باعتباره صاحب الدور الحاسم في التوصل إلى التفاهم وضمان تنفيذه.
وبحسب هذه الرواية، يقدَّم بري بوصفه الضامن الأبرز لالتزام حزب الله بأي اتفاق لوقف إطلاق النار، بحكم علاقته الوثيقة به ودوره التقليدي كوسيط بينه وبين الأطراف الداخلية والخارجية. إلا أن الوقائع المتاحة لا تحسم مدى قدرته على ترجمة هذا الدور إلى نفوذ حاسم على القرار الأمني. فقد سبق أن نقل عنه تأكيده للرئيس جوزاف عون أن حزب الله لن ينخرط في مواجهة أوسع مع إسرائيل عشية 2 مارس 2026، قبل أن تطلق لاحقا صواريخ من جنوب لبنان باتجاه إسرائيل. وهو ما يطرح تساؤلات حول حدود تأثيره الفعلي، ويشير إلى أن مسار التصعيد والتهدئة قد يخضع أحيانا لاعتبارات تتجاوز قدرة أي وسيط لبناني منفرد على التحكم بها.
مهما يكن، ان المعطيات المتوافرة حول اتفاق الأول من يونيو تشير إلى صورة أكثر تعقيدا. فالتقارير الأساسية تفيد بأن وقف إطلاق النار كان في جوهره نتيجة وساطة أميركية، دخلت حيز التنفيذ بعد اتصالات مباشرة بين الرئيس جوزاف عون وواشنطن أسهمت في تفعيل مسار التهدئة. وقد قدمت مصادر الرئاسة اللبنانية ومسؤولون أميركيون عون بوصفه المحاور اللبناني الرئيسي في هذا المسار.
في المقابل، لا تتوافر مؤشرات مستقلة على تولي بري التفاوض المباشر أو صياغة بنود الاتفاق، بل اقتصر دوره، وفق المعطيات المتاحة، على مستوى الدعم السياسي وإعلان استعداده لضمان التزام حزب الله بالاتفاق. بالتالي، لا ينصب الخلاف التحليلي على مسألة مشاركة بري من عدمها، بل على الجهة التي ينسب إليها الفعل الحاسم الذي أفضى إلى تثبيت وقف إطلاق النار. ويتجاوز هذا النقاش مستوى الأشخاص إلى سؤال بنيوي أوسع يتعلق بموقع السلطة الفعلية في لبنان: أهي في مؤسسات الدولة الرسمية، أم في شبكات النفوذ غير الرسمية المتصلة بالمراكز الإقليمية؟
من هذا المنطلق، قد لا يعكس التركيز على دور بري في اتفاق وقف إطلاق النار موازين التأثير الفعلية بقدر ما يعكس مسعى لإعادة إنتاج صورة الزعيم القادر على إدارة الأزمات والتعبير عن موقع لبنان داخل محور المقاومة. كما يساهم هذا الخطاب في تعزيز موقع حركة أمل داخل البيئة الشيعية، وفي الحد من الانطباع المتزايد بأن القرارات الاستراتيجية المرتبطة بحزب الله تتخذ خارج الحدود اللبنانية أكثر مما تحسم داخلها.
لكن بينما بدا أن وقف إطلاق النار الأولي ينسجم مع تفضيل إيراني للتهدئة، ما أتاح لبري هامشا أوسع للقيام بدور الضامن والوسيط، برزت مؤشرات مختلفة عقب التوصل إلى تفاهمات جديدة بين إسرائيل ولبنان في واشنطن، تقضي بتنفيذ وقف إطلاق نار ضمن ترتيبات تنفيذية أكثر تفصيلا، من بينها ما وصف بـ”المناطق التجريبية”، وذلك بعد اختتام جولة تفاوض رابعة بين الجانبين.
في هذا السياق، عكست المواقف الصادرة عن أطراف مرتبطة بالمحور الإيراني تصاعدا في التحفظ تجاه هذا المسار، إذ جرى التشكيك في جدوى المفاوضات المباشرة مع إسرائيل واعتبارها مسارا غير مقبول سياسيا للبنان. كما عبر حزب الله عن رفضه للتفاهمات الجديدة بصيغتها المطروحة، معتبراً أنها تميل لصالح إسرائيل وتفرض وقائع أمنية وسياسية قد تمس بتوازنات الداخل اللبناني. ويشير هذا التصعيد في المواقف إلى أن هامش التفاهم الذي أتاحته مرحلة التهدئة الأولى قد يكون أكثر هشاشة مما بدا في بداياته، وأنه قابل لإعادة التشكل تبعا لتطور المواقف الإقليمية، ولا سيما الإيرانية.
بالتالي، فإن التشديد على شروط إضافية تتعلق بالانسحاب الإسرائيلي، توحي بأن طهران قد تنظر بالفعل بتحفظ إلى أي مسار يتجاوز وقف التصعيد المؤقت نحو ترتيبات سياسية أو أمنية أوسع. وإذا صح هذا التقدير، فإن ذلك لا يحد فقط من قدرة بري على التأثير، بل يعيد التأكيد على أن فعالية وساطته تبقى مرتبطة إلى حد كبير بالسقف الذي تسمح به الحسابات الإقليمية.
أخبار متعلقة :