خبر

نتنياهو لن يوقف النار في لبنان.. ولو شمله الاتفاق مع طهران

كتب جورج حايك في المدن:

تتصدَّر المفاوضات الأميركية-الإيرانية الأولويات في أجندة الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وما حصل من تقدُّم في الأيام الأخيرة أعاد خلط الأوراق، وخصوصاً بعد القصف المتبادل بين إسرائيل وإيران بسبب الهجوم على الضاحية الجنوبية في لبنان، علماً أن هذا الأمر أثار غضب ترامب، لأنه لا يريد أن يُعكِّر مسار المفاوضات.

حالياً، لم تعد الكلمة للميدان في إيران، وتراجع الخيار العسكري الذي كان يتوعَّد به ترامب. لكن في لبنان لا تزال تتصاعد رائحة البارود، نتيجة المواجهات بين إسرائيل و”حزب الله”، ولا سيما في الجنوب والبقاع، مع إبقاء الضاحية بمنأىً عن القصف المتواصل رغم التهديدات الإسرائيلية بتنفيذ اغتيالات فيها أو تكريس معادلة “الضاحية مقابل مستوطنات الشمال”.

الاتفاق يشمل لبنان

وتؤكِّد توقعات المقرَّبين من البيت الأبيض أنه إذا تم توقيع الاتفاق بين واشنطن وطهران، فلن يكون مستبعداً أن يشمل وقف إطلاق النار لبنان وكل الجبهات في الشرق الأوسط. لكن اللاعب الأميركي ليس المؤثّر الوحيد على الساحة اللبنانية، إنما هناك إسرائيل وإيران. وكل المعطيات تشير إلى أن مصلحة رئيس الوزراء الإسرائيلي تقتضي إبقاء النيران مشتعلة في لبنان حتى استحقاق الانتخابات النيابية في إسرائيل، ولن يكون سهلاً إقناعه بالمعادلة الإيرانية التي تقضي بوقف إطلاق النار على كل الجبهات، بما فيها لبنان.

ويرى رئيس مركز أبحاث في واشنطن، مقرَّب من دوائر القرار فيها، أن الهدوء بعيد عن الشرق الأوسط، مهما حاول ترامب إشاعة أجواء من التفاؤل، وأن وقف إطلاق النار على كل الجبهات يُعَدُّ هشّاً ومعرَّضاً للانتكاسة في أي لحظة، ولو تكلَّم ترامب مرات عديدة عن إنجاز الاتفاق، فمن يؤكِّد أن إيران ستلتزم بشروط ترامب حتى بعد توقيعه؟ ويلفت إلى أنه “صحيح أن واشنطن ستعلن انتهاء الحرب والعمليات العسكرية، لكن الاتفاق ينص على هدنة 60 يوماً ومفاوضات حول الملف النووي، ولا شيء يؤكِّد أن إيران ستكون متساهلة، بل ستتعقَّد الأمور وسنشهد موجات قتال أخرى، ولو بشكل متقطِّع، وأن الساحة اللبنانية ستتأثر، بلا أدنى شك، بأي تصعيد مستقبلي”. ويعزو رئيس مركز الأبحاث ذلك إلى نهج ترامب التفاوضي الذي لا يتبنَّى سياسة حرب كاملة ولا سياسة سلام كاملة من جهة، وإلى إنكار النظام الإيراني لوضعه المتدهور وابتعاده عن الواقعية من جهة أخرى.

ويقول إن “ترامب لا يعتبر لبنان أولوية، لذا إذا تمكَّن من التوصُّل إلى اتفاق نووي مع إيران فسيكون مرناً بشأن لبنان. فيما تنظر إسرائيل إلى لبنان على أنه ساحة رئيسية تمكِّنها من استخدام حق النقض (الفيتو) ضد المفاوضات الأميركية-الإيرانية”. ويضيف: “كلما شعر نتنياهو باقتراب المفاوضات من نهايتها، يُقدِم على خطوة ما في لبنان، لأن هذه هي الساحة التي يستطيع من خلالها التأثير فعلياً في مسارها. إلا أنه ليس اللاعب الوحيد في لبنان، لأن إيران أيضاً تستخدم “الحزب” في المواجهات الميدانية لتوجيه رسائل بالنار إلى واشنطن، وهذا ما يبرِّر رفض “الحزب” جميع اتفاقيات وقف إطلاق النار”.

إيران ومعادلة الردع

ويُدرك ترامب أن خلفاء المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي في الحرس الثوري الإيراني جادُّون، يحاولون إرساء معادلة ردع، ساعين إلى إظهار أنفسهم لشعبهم وللمنطقة ولأذرعهم العسكرية بأنهم ليسوا جمهورية مهزومة، متخلِّين عن السياسات الحذرة التي انتهجها خامنئي. لذلك يحرص الرئيس الأميركي على المحافظة على خيط المفاوضات، وبالتالي لن يسمح لنتنياهو بقطعه وتوريطه في الحرب.

ويلفت رئيس مركز الأبحاث إلى أنه، في عقل ترامب، ليس مسموحاً لأحد أن “يخربط” أولوياته. فهو من يقرِّر الحرب والسلام وليس نتنياهو. وهذا ما جعله يتدخَّل بقوة لوقف الاشتباك بين إسرائيل وإيران، محظِّراً على نتنياهو قصف الضاحية إلا بأسلوب موضعي، كعملية اغتيال دقيقة لا تؤدِّي إلى دمار كبير في المباني والأحياء السكنية.

نتنياهو لن يقبل معادلة إيران

في المقابل، تشير المعطيات الواردة من واشنطن إلى أن نتنياهو لن يقبل أن تفرض إيران معادلة وقف النار التي تشمل كل الجبهات قبل التوصُّل إلى اتفاق يمنحه شعوراً بالانتصار، ويسمح له بتحسين وضعه في الانتخابات المقبلة.

صحيح أن الإيرانيين حققوا مكسباً رمزياً من خلال ربط مصير “حزب الله” بمصيرهم في المفاوضات، محاولين الإيحاء بأن إيران هي المرجعية الفعلية لـِ”الحزب”، لا الدولة اللبنانية التي تفاوض إسرائيل، وأنها لا تستطيع الالتزام بأي شيء لأن “الحزب” لا يخضع لها. لكن المعطيات تشير إلى أن واشنطن تقابل هذا الأمر بمزيد من التمسُّك بفصل مسار المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية عن مصير المفاوضات الأميركية-الإيرانية.

وتؤكِّد المعطيات أن ترامب لا يريد أن تتوسَّع الحرب مجدداً من بوابة لبنان، عبر نزاع إسرائيل و”الحزب”، فهو يعتبرها جبهة ثانوية لا يجوز أن تجُرَّ الأميركيين إلى استئناف الحرب قبل استنفاد كل فرص التفاوض، وخصوصاً بعد التوصُّل إلى اتفاق، علماً أن ترامب يريد إنهاء الحرب مع إيران التي باتت مكلفة اقتصادياً وسياسياً.

ويرى رئيس مركز الأبحاث في واشنطن أن ترامب ونتنياهو سيخوضان انتخابات في الخريف: انتخابات التجديد النصفي للأول، والانتخابات البرلمانية للثاني التي ستحدد مصيره كرئيس للوزراء… أو لا. وتتفاوت الأولويات بينهما. فمع ارتفاع أسعار الغاز في الولايات المتحدة، تشكِّل الحرب عبئاً سياسياً على ترامب. لذلك يريد إنهاءها قبل ذلك التاريخ، بينما تمثِّل الأهداف الحربية غير المكتملة في لبنان تهديداً خطيراً لفرص نتنياهو، لذلك يريد استئناف الحرب ضد “حزب الله” وإنهاءها بانتصار مؤكد. وهنا قد تختلف مصلحتا ترامب ونتنياهو في لبنان.

هل نجحت إيران في حماية “الحزب” وتقييد حركة إسرائيل في لبنان تجاهه؟ يجيب رئيس مركز الأبحاث الأميركي: “لو لم تردَّ إسرائيل بعد إبلاغ الجانب الأميركي بذلك، لنجح الإيرانيون في فرض قواعد جديدة للعبة، وهذا ما يعرفه ترامب جيداً”. ويضيف: “لن يقبل الرئيس الأميركي بأي واقع يسمح لـ”حزب الله” بإعادة بناء صفوفه أو العمل انطلاقاً من الجنوب. لذلك يتفهَّم العمليات العسكرية الإسرائيلية هناك مع ضوابط، لكنه يميل إلى وقف الحرب في لبنان بعد توقيع الاتفاق مع إيران، على أن تبقى إسرائيل في الجنوب ريثما يقوم الجيش اللبناني بنزع سلاح “الحزب”.

لبنان موجود في أي اتفاق

وتشير معلومات موثوقة من واشنطن إلى أن المفاوضين الإيرانيين يشدِّدون خلال المفاوضات مع الأميركيين على إدراج الملف اللبناني في أي اتفاق. وهذا الإصرار تفهمه واشنطن على أنه التزام إيراني أيديولوجي واستراتيجي تجاه “الحزب”. وهذه المعادلة ترفضها إسرائيل رفضاً قاطعاً، وتعمل من دون هوادة ضد “الحزب” في الجنوب والبقاع، قاطعة الطريق على أي حصانة إيرانية له، بل إنها فرضت معادلتها: “مصير الضاحية في بيروت هو مصير المستوطنات الشمالية”.

وتكشف المعلومات أن التشنج بين ترامب ونتنياهو قد يزداد في بعض الأحيان، علماً أن الأخير يعرف أن ترامب يحاول إدارة عدة مسارات في آن واحد: ساحة المعركة، والرأي العام الأميركي، وأسواق الطاقة العالمية، وفرص التوصُّل إلى اتفاق مع إيران. وتشير المعلومات إلى أن ترامب يحاول أن يُظهر للناخبين أنه يسعى إلى إنهاء القتال، مع مواصلة الضغط على إيران بالوسائل العسكرية والاقتصادية.

قد يحجب الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران الحرب الدائرة في لبنان. فترامب، وفق المعلومات الواردة، انتقل إلى مرحلة أخرى مع إيران تقضي بالتفاوض حتى إنهاء الملف النووي. لكن، ولو توقفت الحرب في لبنان، إذا قام “الحزب”” بأي عمل متهوِّر تجاه إسرائيل خلال الهدنة، فلن يمنعه ترامب هذه المرة من ضرب عمق مناطق نفوذ “الحزب”، ومنها الضاحية الجنوبية.

أخبار متعلقة :