كتب ألان سركيس في “نداء الوطن”:
لم يعد 7 آب مجرّد ذكرى أمنية في الروزنامة اللبنانية. إنّه تاريخ سياسي غيّر مسار المواجهة على السيادة. ففي 7 آب 2001، قرّر النظام السوري، مدعومًا بأجهزة السلطة اللبنانية، توجيه ضربة إلى الحركة السيادية التي بدأت تتبلور بعد مصالحة الجبل. كان الهدف واضحًا، وهو منع قيام جبهة وطنية تعيد طرح قضية الاستقلال، وتقطع الطريق على أي محاولة لاستعادة القرار اللبناني من الوصاية السورية.
اعتُقل الناشطون أمام قصر العدل. ظنّ النظام أن القبضة الأمنية ستنهي الاعتراض. لكن النتيجة جاءت معاكسة. تحولت الاعتقالات إلى محطة مفصلية، ورسخت قناعة لدى شريحة واسعة من اللبنانيين بأن الصراع لم يعد بين سلطة ومعارضة، بل بين مشروع استعادة دولة ومشروع وصاية سورية.
منذ ذلك اليوم، صمدت الجبهة السيادية رغم الضغوط والاعتقالات ومحاولات العزل. لم تتراجع أمام الترهيب، ولم تدخل في مساومات على حساب السيادة. وكان البطريرك مار نصرالله بطرس صفير رأس هذا المشروع الوطني. لم يكتفِ بالدور الروحي، بل قاد مواجهة سياسية ثابتة، رافعًا شعار حرية لبنان واستقلال قراره. التفّت حوله قوى سياسية وشعبية متعددة، وتحول مطلب إنهاء الوصاية إلى قضية وطنية جامعة. وبعد أربع سنوات، أثبتت الوقائع أن هذا الخيار كان المنتصر، مع خروج الجيش الاحتلال السوري من لبنان عام 2005.
لكن سقوط الوصاية السورية لم يكن نهاية المعركة. فالفراغ الذي تركته دمشق ملأته طهران. ورثت إيران النفوذ السياسي والأمني عبر “حزب الله”، وأعادت إنتاج معادلة السلاح خارج الدولة، والقرار خارج المؤسسات. تغيّرت هوية الوصي، لكن بقيت بنية الوصاية نفسها، وبقيت الدولة عاجزة عن ممارسة كامل سلطتها.
لهذا، لا يمكن قراءة السابع من آب 2025 بمعزل عن قرار الحكومة في الخامس من آب. فالقرار لم يكن إداريًا، بل سياديًا بامتياز. للمرة الأولى منذ سنوات، تعلن الدولة بصورة واضحة أن السلاح يجب أن يكون حصرًا بيدها، وأن أي قوة عسكرية خارج المؤسسات لا مكان لها في المعادلة الوطنية. إنه انتقال من مرحلة إدارة الأزمة إلى محاولة معالجتها من جذورها.
وبين 7 آب 2001 و7 آب 2025، تبدلت صورة المنطقة. النظام السوري الذي حكم لبنان سقط. والمشروع الإيراني الذي تمدد على امتداد المشرق يواجه تراجعًا واضحًا. أما “حزب الله”، الذي فرض موازين القوى الداخلية لعقود، فأصبح أمام واقع سياسي جديد عنوانه استعادة الدولة لدورها وقرارها.
ولم يقتصر التحول على ملف السلاح. فلبنان بدأ أيضًا يستعيد قراره في الملفات السيادية. لم يعد التفاوض يُدار عبر العواصم الإقليمية، ولم تعد الورقة اللبنانية جزءًا من حسابات إيران. الدولة اللبنانية أصبحت هي المرجعية في إدارة المفاوضات والدفاع عن مصالحها، في خطوة تعكس استعادة تدريجية للقرار الوطني.
تؤكد التجربة اللبنانية أن القرارات وحدها لا تكفي. فحصر السلاح يحتاج إلى تنفيذ، واستعادة الدولة تتطلب تفكيك الدولة العميقة التي أسسها النظام السوري، ثم عززها النفوذ الإيراني داخل المؤسسات والإدارة. الوصاية لا تسقط فقط بخروج الجيوش أو تبدل الموازين، بل بسقوط أدواتها ونفوذها داخل الدولة.
يبقى 7 آب عنوانًا لمسار لم يكتمل بعد. ففي عام 2001 بدأت معركة إسقاط الوصاية السورية. وفي عام 2025 بدأت مرحلة إسقاط آخر إرثها السياسي والأمني. وإذا كان اللبنانيون نجحوا في المرة الأولى بفضل صمود الجبهة السيادية ووحدة مشروعها، فإن التحدي اليوم هو استكمال هذا المسار حتى تصبح الدولة المرجعية الوحيدة، ويكون السلاح واحدًا، والقرار واحدًا، والسيادة غير قابلة للمساومة.
أخبار متعلقة :