خبر

“العفو العام”: حين تكشف الأرقام مَن يستفيد فعلًا

كتبت مريم مجدولين اللحام في “نداء الوطن”:

ثمة رقمان يختصران جانبًا أساسيًا من الجدل الدائر حول قانون العفو العام في لبنان: نحو 91% من الذين تتيح الصيغة الحالية خروجهم فورًا من فئة المحكومين بالمؤبد هم من غير اللبنانيين، فيما يشكل اللبنانيون نحو 83% من مجموعة الموقوفين الـ35 التي تقع في صلب الخلاف حول التوقيف الطويل وعدم حسم الملفات قضائيًا.

كيف وصل مشروع قانون عفو عام “لبناني” إلى هذه المفارقة؟

دراسة إحصائية أعدّها المحامي محمد صبلوح تتبّعت جميع السجناء الـ154 المصنّفين كموقوفين إسلاميين، ويتوزّعون على 54 محكومًا بالمؤبد، و11 سجينًا محكومًا بالإعدام، و45 محكومًا بعقوبات محددة، و35 موقوفًا ضمن فئة الموقوفين من دون أحكام، إضافة إلى 9 موقوفين أمام المجلس العدلي من دون أحكام أخرى.

الصيغة التي أقرّتها اللجان النيابية المشتركة في أيار الماضي وضعت سقفًا عند 28 سنة سجنية للمحكوم بالإعدام، و17 سنة سجنية للمحكوم بالمؤبد، مع إبقاء الحق الشخصي محفوظًا. وهي أرقام أكّدها مجلس النواب رسميًا لدى الإعلان عن انتهاء اللجان من درس الاقتراح.

وعند إسقاط هذه المعايير على الموقوفين الإسلاميين الذين تناولتهم الدراسة، تظهر النتيجة الأولى: من أصل 54 محكومًا بالمؤبد، يتأهّل 22 منهم للخروج فورًا من السجن، بينهم لبنانيان فقط!

ومن أصل 11 محكومًا بالإعدام، يُفرج عن شخص واحد، ولا يطال العفو السجناء الـ10 الآخرين. أما أصحاب الأحكام المحددة، وعددهم 45، فيُفرج عن 34 سجينًا منهم بعد احتساب التخفيض، ويبقى 11.

الحصيلة إذًا ستكون الإفراج عن 57 سجينًا من مجمل الـ154، وذلك قبل الدخول في أكثر بنود القانون إثارة للخلاف… الموقوفون الذين طالت سنوات احتجازهم من دون أن تبلغ ملفاتهم خاتمتها القضائية!

تكشف الدراسة أن الخلاف السياسي الذي يملأ الشاشات ليس فعليًا حول 154 إسلاميًا فحسب، إنما هو، في جوهره الحسابي، حول 35 موقوفًا من دون أحكام.

35 موقوفًا أمضوا سنوات في السجن، وما زالت ملفاتهم بلا أحكام نهائية، 29 منهم لبنانيون. والصيغة التي انطلق منها صبلوح لمعالجة هذه الفئة قامت على إخلاء سبيل من أمضى 12 سنة سجنية، على أن تستمر محاكمته من خارج السجن. لكن في اللجان، رُفعت العتبة إلى 14 سنة، وأضيفت قيود على الاستفادة، من بينها الإشكالية المتعلقة بمن لديه أكثر من ملف، وصدرت بحقه أحكام في بعضها، فيما بقيت ملفات أخرى من دون أحكام.

وفي المقابل، اصطدمت هذه الفئة، التي تضم 29 لبنانيًا بلا أحكام، بصيغة أشد تقييدًا، ثم ظهر لغم آخر في مسار إلغاء عقوبة الإعدام وتحويلها إلى “المؤبد المشدّد”.

وكان التخوّف من أن يسبق إقرار هذه الصيغة قانون العفو، بما قد يحرم بعض المحكومين من الاستفادة من التخفيضات.

وهنا لعبت “القوات اللبنانية” دورًا مفصليًا في المسار السياسي، بعدما التقطت خطورة ما كان يمكن أن يمرّ مفخخًا، وانسحبت من جلسة تشريعية مفصلية خشية أن تسبق صيغة إلغاء الإعدام العفو العام، فتفرغ بعض تخفيضاته من مفاعيلها، ما أعاد فتح الباب أمام معالجة الثغرة بدل تكريسها.

بعد ذلك، أعاد رئيس الحكومة نواف سلام جمع الملف من مدخله الأساسي، أي الموقوفين الذين أمضوا سنوات طويلة بلا أحكام.

ومن هنا عادت صيغة 12 سنة سجنية إلى الواجهة، كما لم تعد مطلبًا سنيًّا معزولا. فهي تقوم على تقاطع سياسي يضم النواب السنّة، مع تأييد من “القوات اللبنانية” و”اللقاء الديمقراطي”، وفي إطار السعي إلى تثبيت التوافق مع رئيس مجلس النواب نبيه بري.

مع صيغة الـ12 سنة، يرتفع عدد الخارجين من 63 إلى 92 شخصُا، ويبقى 62. والأهم أن الموقوفين الـ35 بلا أحكام يصبحون مشمولين بإخلاء السبيل، وبينهم 29 لبنانيًا، على أن تستمر محاكماتهم من خارج السجن.

تقرير صبلوح يذهب أبعد من ذلك، ويحذر من أنه إذا بقي اقتراح إلغاء عقوبة الإعدام بصيغته التي درسها التقرير، فقد يؤدي تداخله مع قواعد المؤبد والإعدام إلى تأخير خروج بعض المعنيين إلى ما بعد عام 2045.

لكن أكثر أرقام التقرير الإحصائي سخرية يتلخص في قول المحامي صبلوح إنه حتى إذا لم يُقر العفو العام أصلا، سيخرج خلال أشهر قليلة أكثر من 15 موقوفًا لانتهاء مدة محكومياتهم.

في الختام، تبدو المزايدات حول “إطلاق الإسلاميين” أوسع بكثير من الحقيقة التي تقولها الأرقام. والفضيحة في الإصرار على صيغة تسمح بخروج 20 غير لبنانيًا من باب المؤبد، فيما يحتاج 29 لبنانيًا بلا أحكام إلى معركة نيابية كاملة كي يُشملوا في قانون العفو… الذي بدأ باب النقاش فيه من عندهم!

أخبار متعلقة :