خبر

“علي الطاهر” في صلب المسار التفاوضي وقد يشعل الجنوب

كتب سعد الياس في “القدس العربي”:

لم تعد تلة علي الطاهر مجرد مرتفع جغرافي في محيط النبطية. هذه التلة تحولت، في الأسابيع الأخيرة، إلى واحدة من أخطر نقاط الاشتباك السياسي والعسكري في الجنوب اللبناني، وإلى عنوان تختصر فيه معركة أكبر بكثير من حدودها الجغرافية: من يملك قرار الحرب والسلم في لبنان؟ ومن يملك القرار العسكري على أرض الجنوب: الدولة اللبنانية أم «حزب الله» أم إسرائيل؟

تكمن أهمية علي الطاهر في موقعها الاستراتيجي المشرف على النبطية ومحيطها وعلى مساحات واسعة من الجنوب. والسيطرة على المرتفعات تمنح أفضلية في الرصد وإدارة العمليات والتحكم بالممرات وخطوط الحركة، ولذلك لم يكن إصرار الجيش الإسرائيلي على الوصول إليها وليد التطورات الأخيرة، بل يعود إلى أشهر من المحاولات والضربات والتوغل العسكري. وسبق لهذا الجيش أن أعلن في حزيران الفائت سيطرته على المرتفعات، فيما نفى «حزب الله» ذلك نفياً قاطعاً.

لكن أهمية علي الطاهر اليوم لم تعد عسكرية فقط. فقد دخلت التلة مباشرة في صلب المسار التفاوضي بين لبنان وإسرائيل. وطُرح اقتراح لتسليم الموقع إلى الجيش اللبناني كأحد الشروط الإسرائيلية لاستكمال جولة المفاوضات الثامنة في روما، إلا أن «حزب الله» رفض هذا الاقتراح وأعلن رفض التخلي عن التلة، ما يرفع من احتمالات شن إسرائيل عملية عسكرية للسيطرة على التلة. والاشتباك في علي الطاهر لن يبقى محصوراً بالضرورة بالتلة نفسها وأي محاولة إسرائيلية للسيطرة البرية الكاملة عليها ستواجه برد من «حزب الله»، وأي رد من «الحزب» قد يُواجه بضربات إسرائيلية أوسع، وصولاً إلى دائرة تصعيد يصعب التحكم بها وقد تطال إقليم التفاح ومرتفعات جبل الريحان في قضاء جزين وربما أبعد وصولاً إلى قصف الضاحية في حال اعتبرت إيران نفسها معنية بتلة علي الطاهر بعد نشر تقارير عن وجود حرس ثوري محاصرين مع عناصر «الحزب» في الأنفاق.

ومع رفض «حزب الله» التخلي عن التلة للجيش اللبناني يتأكد أن كل طروحات «الحزب» لكسب الوقت في انتظار متغيرات إقليمية ودولية تتيح له إلتقاط الأنفاس والتمسك بسلاحه كما فعل في طاولات الحوار والتشاور بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري وفي «إعلان بعبدا».

أما الدولة اللبنانية التي أعلنت التزامها بحصرية السلاح واستعادة قرار الحرب والسلم، فإن بقاء موقع استراتيجي بهذه الأهمية خارج سيطرة الجيش يطرح سؤالاً جوهرياً حول قدرتها على تنفيذ ما تتعهد به في المفاوضات ولاسيما على صعيد نزع السلاح من المناطق التجريبية بعد التجربة المنقوصة جنوب نهر الليطاني. وربما يريد «الحزب» حشر الدولة للخروج من «اتفاق الإطار» وتحويل أي عملية عسكرية ضد تلة علي الطاهر إلى ذريعة لتعليق هذه المفاوضات أو نسفها أملاً بإحياء مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران وتفويض طهران التفاوض عن بيروت وهو ما يرفضه لبنان الرسمي وكل القوى السيادية.

وفي اعتقاد «الحزب» أن نسف مفاوضات روما ينسف ما اتفق عليه في «صيغة الإطار» من نزع لسلاحه كشرط للانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، إذ إن تل أبيب مصرّة على منع بقاء أي بنية عسكرية لـ «حزب الله» في لبنان وتتعامل مع المرتفعات باعتبارها جزءاً من منظومة أمنية تريد فرضها في الجنوب. وقد ظهرت مؤشرات خلال الفترة الماضية إلى اعتماد الجيش الاسرائيلي سياسة «القضم» التدريجي بدلاً من الهجوم الواسع، بالتزامن مع استمرار الضربات والضغط العسكري.ويرى فريق أنه كان من الأفضل لو سلّم حزب الله التلة إلى الجيش اللبناني وسمح أولاً للوفد اللبناني المفاوض بتعزيز أوراقه التفاوضية وفرض الانسحاب الإسرائيلي من منطقة تجريبية ثانية، ومنع ثانياً إسرائيل من توسيع سيطرتها العسكرية ومنع بالتالي رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من تعزيز أوراقه الانتخابية عشية الانتخابات المقررة في الخريف.

والخشية هي أن تتحول تلة علي الطاهر إلى قلعة «شقيف» جديدة يتقدم إليها الجيش الإسرائيلي ميدانياً، ويتراجع أمامها الوفد اللبناني المفاوض، فيصبح كل تقدم إسرائيلي على الأرض ورقة ضغط على طاولة روما، وكل تعنت لـ «حزب الله» ورقة إسرائيلية لتبرير المزيد من التقدم.

ويرى هذا الفريق أن على العهد الجديد بقيادة الرئيس جوزاف عون والحكومة برئاسة الرئيس نواف سلام الانتقال من القرارات حول حظر الأنشطة العسكرية والأمنية لـ «الحزب» إلى التطبيق الفعلي وعدم تكرار ما حصل بعد صدور القرار 1701. وقد عدّد السفير الأميركي السابق جون بولتون الأسباب التي حالت دون تنفيذ هذا القرار قبل 20 عاماً، وهي أولاً فشل الدولة اللبنانية وترددها، وثانياً فشل «اليونفيل» في أداء دورها حيث تحوّلت من قوة مراقبة إلى قوة غارقة في سُبات عميق، وثالثاً الظرف الإقليمي الذي سمح لـ «حزب الله» بتعزيز قدراته في ظل تصاعد النفوذ الإيراني ونظام بشار الأسد.

أما اليوم ومع تغيُّر مجمل هذه الظروف، يبقى الحديث أن إمكانية وقدرة الدولة على الاستفادة منها لفرض وضع جديد.

أخبار متعلقة :