خبر

فاتف في تشرين الأول: لبنان أمام اختبار النتائج و«القرض الحسن» في الواجهة

يواجه لبنان في اجتماعات مجموعة العمل المالي الدولية «فاتف» في باريس، بين 26 و30 تشرين الأول المقبل، اختبارًا يتجاوز إقرار القوانين والتعاميم، ليطال قدرة الدولة على تقديم نتائج ملموسة في التحقيقات والملاحقات والمصادرات وتجفيف قنوات التمويل غير المشروع.

وكتب نخلة عضيمي في «نداء الوطن» أن الملف اللبناني سيكون مجددًا تحت المجهر، مشيرًا إلى أن لبنان، منذ إدراجه في تشرين الأول 2024 ضمن الدول الخاضعة للمراقبة المعززة، المعروفة بـ«اللائحة الرمادية»، لم يتمكن حتى الآن من انتزاع قرار يؤكد إتمام خطة العمل.

وفي آخر مراجعة لـ«فاتف» في 19 حزيران 2026، أُبقي لبنان على اللائحة، مع تكرار البنود العشرة التي تشكل جوهر خطة العمل المطلوبة منه تقريبًا. وتكمن الرسالة الأهم في القرار، وفق المقال، في أن «فاتف» لم تعلن أن بيروت أنجزت بصورة كافية أيًا من الملفات الأساسية التي تسمح بالانتقال إلى المرحلة التالية، على غرار دول أخرى أحرزت تقدمًا كافيًا وانتقلت إلى تقييم ميداني تمهيدًا للخروج من المراقبة المعززة.

ولا يقتصر السؤال الذي سيصل إلى طاولة باريس على ما إذا كان لبنان عدّل قانونًا أو أصدر تعميمًا أو شدد رقابة معينة، بل يتصل بعدد قضايا غسل الأموال التي جرى التحقيق فيها، والملاحقات التي وصلت إلى القضاء، والأحكام التي صدرت، والأموال التي جُمّدت أو صودرت، فضلًا عن قدرة الدولة على كشف المستفيد الحقيقي من الشركات والحسابات والعمليات المعقدة. وهذه، بحسب المقال، هي اللغة التي تفهمها «فاتف»: النتائج لا النيات، فيما النتائج حتى الآن غير مرضية.

من الرمادية إلى الرمادية الطويلة

يشير المقال إلى أن التعامل مع اللائحة الرمادية باعتبارها عقوبة تجمد لبنان ماليًا بين ليلة وضحاها أمر خاطئ، لكن المشكلة تكمن في الأثر التراكمي. فكلما طال بقاء لبنان في هذه المنطقة، اضطرت المصارف المراسلة والمؤسسات الدولية إلى التعامل معه بدرجة أعلى من التدقيق وإدارة المخاطر.

وفي بلد يحاول إعادة بناء علاقته بالنظام المالي العالمي بعد انهيار القطاع المصرفي، تصبح أي زيادة في كلفة الامتثال أو أي شك إضافي في مصدر الأموال عقبة جديدة أمام عودة الثقة. كما أن لبنان يدخل اجتماع تشرين الأول واقتصاده تغير جذريًا منذ 2019، مع انتقال جزء كبير من نشاطه من المصارف إلى الكاش، وهو تحول يُعد من أخطر العوامل في معادلة مكافحة غسل الأموال.

هل اقترب لبنان من «السوداء»؟

لا توجد حتى الآن معطيات رسمية تسمح بالقول إن الانتقال إلى اللائحة السوداء في تشرين الأول بات قرارًا محسومًا. ووفق «فاتف»، فإن اللائحة السوداء مخصصة للدول ذات المخاطر العالية جدًا، والتي تستوجب إجراءات مضادة لحماية النظام المالي العالمي.

لكن ذلك لا يعني أن لبنان يستطيع الاطمئنان، إذ إن الخطر الحقيقي ليس بالضرورة الانتقال إلى اللائحة السوداء غدًا صباحًا، بل تحول البقاء في المنطقة الرمادية إلى وضع دائم. فكل شهر إضافي من عدم الإنجاز يعني استمرار تصنيف لبنان دولة ذات مخاطر مالية أعلى في نظر المؤسسات الدولية، في وقت يحاول فيه جذب أموال واستثمارات وإعادة بناء القطاع المصرفي.

ما الذي سيبحثه المفتشون في تشرين الأول؟

إذا أراد لبنان تغيير الصورة، فعليه أن يصل إلى الاجتماع المقبل ومعه معطيات ملموسة، أبرزها:

وتكتسب النقطة الأخيرة حساسية خاصة في ظل ملف «القرض الحسن» وشبكات تمويل «حزب الله»، إذ لا يستطيع لبنان إقناع المجتمع الدولي بأن نظامه المالي آمن إذا بقيت هناك مؤسسات تقدم خدمات مالية خارج الرقابة المصرفية، أو اقتصاد نقدي واسع يصعب تتبعه، أو عمليات ذهب وصرافة وتحويل أموال لا تصل فيها الرقابة إلى المستفيد النهائي، أو ملفات غسل أموال لا تنتهي إلى أحكام ومصادرات.

وفي المحصلة، لن يقتصر الامتحان الحقيقي لبيروت في تشرين الأول على سؤال بقاء لبنان على اللائحة الرمادية، بل سيتمحور أيضًا حول قدرة الدولة اللبنانية على إثبات أنها بدأت فعليًا باستعادة احتكارها للرقابة على المال.

وإذا جاءت الإجابة سلبية، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا هو استمرار لبنان في المراقبة المعززة. أما إذا قدمت الدولة نتائج قضائية ومالية قابلة للقياس، وهو أمر مستبعد في ظل الفشل حتى الآن في وضع حد لتفلّت «القرض الحسن» وعدم القدرة على إقفاله، فقد تبدأ عملية الخروج من اللائحة، لكن الطريق لن تكون قصيرة.

وفي كلتا الحالتين، سيبقى «القرض الحسن» واحدًا من أكثر الملفات حساسية، لأنه يجسد السؤال الذي يواجه لبنان كله: هل توجد منظومة مالية واحدة تخضع لقواعد الدولة، أم أن هناك اقتصادًا ماليًا موازيًا يستطيع أن يعيش إلى جانب النظام الرسمي؟ وهذا، بالنسبة إلى لبنان، هو الامتحان الأصعب في تشرين الأول.

أخبار متعلقة :