كتبت فتات عيّاد في «نداء الوطن» أن الحرب الأخيرة أظهرت، في مدارس النزوح، وجود طلاب لبنانيين لم يروا العلم اللبناني ولا يجيدون رسمه، معتبرةً أن هؤلاء من طلاب مدارس حزب الله. وتطرح الكاتبة أسئلة حول دور الدولة في نشوء بيئة تربوية تنمّي، وفق ما ورد في المقال، ولاءً عابرًا للحدود اللبنانية.
وبحسب المقال، تبدأ التنشئة العقائدية في مدارس المهدي والمصطفى، التابعتين لحزب الله، منذ سن الثالثة، عبر أفكار أيديولوجية وانتماءات مرتبطة بولاية الفقيه في إيران. وترعى هذا المسار جمعيتان: المؤسسة الإسلامية للتربية والتعليم، التي تنضوي تحتها مدارس المهدي، ومؤسسة التعليم الديني الإسلامي، التي تنضوي تحتها مدارس المصطفى.
وتشير الكاتبة إلى أن هذه المدارس تدرّس، بحسب ما تنقله، الولاء لولاية الفقيه في السياسة والدين، معتبرةً أن ذلك يتعارض مع الدستور اللبناني. كما تربط بينها وبين جمعية القرض الحسن ضمن جمعيات حزب الله التي تجاوزت العلم والخبر، من دون أن تكون رخصها قد سُحبت حتى اليوم، وتتساءل عن سبب استمرار رخص مدارس المهدي والمصطفى الصادرة عن وزارة التربية، وعن دور المركز التربوي للبحوث والإنماء في مراقبة المناهج والتعليم الديني الاختياري.
وينقل المقال عن مصادر في وزارة التربية وصفها التعليم الديني في المدارس بأنه «ساحة فوضى تعليمية»، مشيرةً إلى ورود شكاوى عن مدرسين يروّجون قناعاتهم وجماعاتهم الدينية، أحيانًا خارج حصص الدين، أو عن أساتذة دين يطرحون أفكارًا متطرفة قد تصل إلى التحريض على من لا يعتنق معتقدهم. وترى المصادر أن هذه الممارسات تضرب السلم الأهلي والعيش المشترك.
ويعلّق أستاذ مادة المواطنة في الجامعة اللبنانية الدكتور علي خليفة بأن التعليم في لبنان يشكل نوعًا من «الفدرالية الخفية»، على غرار قوانين الأحوال الشخصية، محمّلًا وزارة التربية مسؤولية التخلي عن صلاحياتها في هذا المجال. ويستند إلى المادة 10 من الدستور اللبناني التي تنص على أن «التعليم حرّ ما لم يخلّ بالنظام العامّ أو يناف الآداب أو يتعرّض لكرامة أحد الأديان أو المذاهب»، وأن حقوق الطوائف في إنشاء مدارسها الخاصة تمارس «وفاقًا للأنظمة العامة» التي تضعها الدولة في شأن المعارف العمومية.
ويقول خليفة إن حرية التعليم رُبطت دستوريًا بتوجيهات وزارة التربية، مضيفًا: «أما وزارة التربية فلا تصدر تعليمات، أي أنها تخلت عن دورها في هذا المجال، فيما حرية الطوائف بالتعليم لا تعني الفوضى».
وبشأن مدارس حزب الله، يوضح خليفة، استنادًا إلى المادة 9 من الدستور التي تنص على أن «حرية الاعتقاد مطلقة، على ألاّ يشكّل ذلك إخلالًا بالنظام العام»، أن الولاء السياسي، وليس الديني فحسب، في مدارس المهدي والمصطفى هو للولي الفقيه. ويفرّق بين فوضى التعليم الديني في المدارس الخاصة وبين هذه المدارس، معتبرًا أنها لا تكتفي بالتعليم الطائفي، بل تنتقل إلى الأدلجة والتعبئة وترسيخ عقيدة ولاية الفقيه وبناء انتماء إلى دولة غير لبنانية.
وفي كتابه «أطفال حزب الله»، يصف خليفة مدارس الحزب بأنها «مواقع للجهاد والتعبئة»، ويتناول تنشئة أطفال «يولدون في لبنان ويموتون لأجل إيران» عبر عملية «غسل الأدمغة»، وفق ما ينقله المقال. ويقول إن هذه التنشئة تبدأ في سن الثالثة وتستمر حتى الثامنة عشرة، وتتضمن تلقين عقيدة ولاية الفقيه ومفاهيم التطرف والعنف، إضافة إلى استخدام كتب تربية إسلامية تتضمن صور مقاتلين يحملون السلاح.
ويشير خليفة إلى اعتماد ما يعرف بـ«التربية بالقدوة»، عبر تقديم نماذج يحتذي بها الأطفال، أبرزها علي خامنئي وقاسم سليماني. ولا يقتصر التعليم، بحسبه، على الجانب الديني، بل يشمل مشروعًا سياسيًا متكاملًا تُعرض فيه ولاية الفقيه بوصفها «ولاية عامة»، وتُقدَّم الدولة، وفق الفكر السياسي لحزب الله، باعتبارها دولة الولي الفقيه، أي دولة الإمام صاحب الزمان ونائبه بالحق، الولي الفقيه.
ويرى خليفة أن التصور القائم على أن الحكم لله لا للإنسان لا يترك مكانًا لفكرة الدولة المدنية أو الجمهورية التي تستمد السلطة فيها شرعيتها من المواطنين. ويخلص إلى عدم وجود «أي بذرة من بذور الفكر المدني أو التربية الوطنية» في هذه الكتب، مشيرًا إلى حضور نشيد «سلام يا مهدي» بدلًا من لبنان ونشيده ورموزه وثقافته. ويربط بين هذه التربية المبكرة والاستعداد اللاحق للقتال والموت، معتبرًا أن عقول الأطفال تكون قد خضعت، وفق تعبيره، لـ«غسل كامل» وغاب عنها الانتماء اللبناني.
ويضيف المقال أن المؤسسات التربوية المرتبطة بحزب الله لا تتبع في مضمونها العقائدي المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، بوصفه مرجعية دينية لبنانية، بل تستند مدارس المصطفى والمهدي علنًا إلى مفاهيم الثورة الإسلامية الإيرانية و«وثيقة التحول البنيوي» الصادرة عن المجلس الأعلى للثورة الثقافية في إيران.
وبحسب خليفة، تتولى دائرة الموارد البشرية في جمعية التعليم الديني الإسلامي اختيار أساتذة الدين في مدارس حزب الله، وتخضع الأستاذ لامتحان ثم لدورة تأهيلية للتأكد من استيعابه عقيدة ولاية الفقيه وقدرته على نقلها إلى الأطفال. ويقول إن بعض هؤلاء المعلمين يُرسلون أيضًا إلى مدارس رسمية «على عين وزارة التربية».
ويذكر خليفة أن حزب الله يضغط، في مناطق نفوذه ولا سيما في جنوب لبنان، على إدارات رسمية ويفرض أساتذة تابعين له، يتقاضون رواتبهم من صندوق المدرسة، ويدرّسون حصص دين تكرّس الانتماء إلى ولاية الفقيه.
وفي ما يتعلق بالمناهج، يميّز خليفة بين المنهج المكتوب والمنهج المنفذ والمنهج الخفي. فالمنهج المكتوب في الرياضيات والعلوم هو المنهج الرسمي، بينما قد يستبدل الأستاذ، في المنهج المنفذ، مثالًا عن شجرتين بآخر عن حسينيتين أو بارودتين. أما المنهج الخفي، أو «Hidden Curriculum»، فيظهر عندما يعكس الأستاذ قناعاته وتوجهاته الخاصة أثناء تنفيذ المنهج.
ويقدم خليفة مثالًا على تغييب الدولة اللبنانية في مدارس حزب الله من خلال مفهوم «الرعاية»: فقد يربطه المنهج الرسمي في كتاب التربية المدنية بدور الدولة ووزارة الشؤون الاجتماعية، فيما يعيد المعلم تقديمه باعتباره «رعاية الولي الفقيه للمجاهدين». ويحمل المركز التربوي للبحوث والإنماء مسؤولية عدم تنظيم التعليم الديني، قائلًا إنه كان قادرًا على وضع إطار موحد للثقافة الدينية أو اقتراح كتاب للمسيحية وآخر للإسلام، لكنه تراجع عن المبادرات وترك المجال مفتوحًا لكل جهة سياسية أو دينية تملك مدارس أو جامعات كي تعلّم ما تشاء.
وتوضح مصادر في وزارة التربية أن مرسوم ترخيص المدارس الخاصة ينص قانونًا على تدريس المنهج اللبناني أو أحد المناهج المعتمدة والمعترف بها في لبنان. أما الكتب المرتبطة بالمنهج اللبناني، فإما أن تكون صادرة عن المركز التربوي للبحوث والإنماء، أو سلاسل كتب تصدرها دور نشر بعد موافقة المركز والتأكد من تطابق محتواها مع المنهج، ولا يجوز للمدرسة اعتماد كتب أخرى خارج هذه الآلية.
وتشير المصادر إلى أن التعليم الديني اختياري في لبنان، وأن المرجعيات الدينية اعتادت تقديم أساتذة التعليم الديني إلى المدارس الرسمية وفق الطائفة المهيمنة في المنطقة، مع استخدام كتب توافق عليها المرجعية نفسها. فدار الفتوى، مثلًا، تحدد الكتب والموضوعات التي تُدرّس في حصة الدين، وينطبق الأمر نفسه على المرجعيات المسيحية وغيرها.
أما المدارس الخاصة، فتستفيد، وفق المصادر، من الهامش غير المنظم في مادة الدين لوضع محتواها الخاص. وتقول المصادر إن الجانب الإيراني يظهر في التعليم كله داخل مدارس حزب الله، وإن أصل المشكلة يبدأ من ثغرة التعليم الديني الاختياري.
وتعيد المصادر مسؤولية المعالجة إلى وزارة التربية، موضحةً أن لكل مدرسة صاحب ترخيص، سواء كان شخصًا طبيعيًا أو جمعية أو مؤسسة تتمتع بالشخصية المعنوية. وإذا كانت المدرسة تابعة لجمعية، فيجب أن تكون الجمعية حاصلة على علم وخبر من وزارة الداخلية، وأن يكون لديها نظام أساسي وأهداف معلنة. وإذا مارست نشاطًا يخالف أهدافها، يُفترض التدخل.
وتميّز المصادر بين نشر ثقافة دولة معينة وتعزيز انتماء المواطن إلى دولة أخرى. فإذا تجاوزت المؤسسة الحدود المقبولة وروّجت لثقافات تناقض المجتمع اللبناني، فعلى وزارة التربية توجيه إنذار إليها وإلزامها بوقف الممارسات التي تتعارض مع التربية الوطنية السليمة. وفي حال عدم امتثال المدرسة، يحق للوزارة طلب إقفالها أو سحب ترخيصها، كما يمكنها مخاطبة وزارة الداخلية بشأن الجمعية التي تنضوي تحتها مدارس المهدي والمصطفى، أي المؤسسة الإسلامية للتربية والتعليم وجمعية التعليم الديني الإسلامي، إذا ثبت تجاوزها الصلاحيات والأهداف التي مُنحت على أساسها العلم والخبر. وعندها يمكن سحب العلم والخبر وحل الجمعية.
ويختم المقال بالتساؤل عما إذا كانت وزارة التربية ستتحرك بجدية في حكومة قررت مواجهة سلاح حزب الله العسكري، في وقت يستمر، بحسب ما ورد فيه، سلاحه العقائدي عبر مدارس تخرج لبنانيين منتمين إلى ولاية الفقيه، وعن دور الدولة اللبنانية في حماية هؤلاء من عملية الأدلجة التي يتعرضون لها.
أخبار متعلقة :