كتب داود رمال في «نداء الوطن» أن لبنان الرسمي يواجه استحقاقاً يتجاوز البحث عن مخرج لأزمة محددة، ليطال إعادة بناء مقاربة متكاملة لعلاقاته الدولية، في ظل تداخل ملفات الاحتلال والسلاح والحدود والأمن والاقتصاد وإعادة الإعمار.
وبحسب مصدر دبلوماسي تحدث إلى «نداء الوطن»، أظهرت تجربة لبنان خلال الحرب وما تلاها أن حصر الاتصالات والرهانات بعاصمة واحدة لا يوفر بالضرورة حماية المصالح اللبنانية، ولا يضمن التأثير في الأطراف القادرة على تعطيل أي تسوية، ما يجعل توسيع دائرة الشراكات حاجة ملحّة.
وقال المصدر إن من أبرز الأخطاء التي ارتكبتها السلطة اللبنانية التعامل مع ملف القوة الدولية العاملة في الجنوب، «اليونيفيل»، باعتباره شأناً يمكن تركه للمسار الدولي من دون انخراط لبناني واسع. وأوضح أن لبنان وافق خلال العام الماضي على عدم التمديد للمهمة وإنهائها، قبل أن يعود بعد عام للمطالبة بالتمديد، فيما لم يظهر حتى الآن بديل جدي واضح المعالم لطبيعة المهمة التي يمكن أن تحل مكانها.
وأضاف أن إنهاء اليونيفيل من دون تصور بديل كان سيترك فراغاً يمكن لإسرائيل الاستفادة منه، في وقت لا يزال فيه شكل أي بديل ومهامه وصلاحياته غير معروف.
وأشار المصدر إلى أن تجربة «صيغة الإطار» كشفت بدورها حدود الرهان على الوساطة الأميركية وحدها. فبعدما اتهم رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إسرائيل بعرقلة تنفيذ الصيغة، أعلن رئيس مجلس النواب نبيه بري أن «الإطار طار»، فيما أقر رئيس الحكومة نواف سلام بأنه «لا طريق أخرى أمام لبنان»، في موقف يعكس انسداد المسار الذي راهنت عليه الدولة.
ومع تأكيد تحميل إيران و«حزب الله» مسؤولية إدخال لبنان في حروب الإسناد، رأى المصدر أن ذلك لا يعفي الدولة من مسؤولية التعامل بحزم مع مسألة حصر السلاح، ومن بناء شبكة سياسية ودبلوماسية أوسع لضمان تنفيذ أي تفاهم يتم التوصل إليه.
وأوضح أن لبنان التزم بما عليه في إطار الصيغة، كما أدى الجيش اللبناني دوره استعداداً لتنفيذها، لكن المشكلة ظهرت عندما تعذر على الولايات المتحدة إلزام إسرائيل بالتنفيذ. واعتبر أن هذه التجربة تؤكد أن الرهان ينبغي ألا يكون على قدرة الأميركي وحده، ولا على افتراض التزام إسرائيلي تلقائي، بل على شبكة من الضمانات والضغوط الدولية المتعددة.
ولفت المصدر إلى أن المفارقة الأبرز تظهر في ملف اليونيفيل، إذ إن مطلب التجديد هو مطلب الدولة اللبنانية، فيما لا يزال الموقف الأميركي عاملاً حاسماً في تحديد المسار داخل مجلس الأمن. ورأى أن المطلوب إعادة إدخال فرنسا والسعودية وروسيا، إلى جانب سائر الدول المؤثرة، في عملية البحث عن الحلول، وتوسيع دائرة الشراكة السياسية والدبلوماسية بدلاً من حصرها.
وتوقف المصدر عند ما وصفه بالأمر المهم جداً، قائلاً إن دعوات رسمية لبنانية لزيارة عواصم قرار، بينها موسكو وبكين، لم تلقَ حتى الآن التعاطي المطلوب، رغم أن التواصل مع هذه العواصم يمكن أن يوفر للبنان هامشاً أوسع في هذه المرحلة.
وأضاف أن استمرار تجاهل الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، ولا سيما فرنسا وروسيا والصين، في ملفات تمس الأمن اللبناني مباشرة، يعكس افتراضاً بأن هذه الدول ستبقى حكماً إلى جانب لبنان، فيما لا تبرر المؤشرات الدبلوماسية استمرار هذا الافتراض.
وفي هذا السياق، يكتسب انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة أهمية خاصة مع ترؤس رئيس الحكومة نواف سلام الوفد اللبناني. ورأى المصدر أن توسيع الاتصالات في نيويورك لا يقل أهمية عن اللقاءات اللبنانية ـ الأميركية، وأن اللقاءات مع المسؤولين الروس وسائر الدول المؤثرة يفترض أن تكون جزءاً من جهد متكامل لإعادة بناء شبكة الدعم للبنان.
وأشار إلى أن عدداً من دول القرار بات مستاءً من طريقة تعامل لبنان معها، ما يجعل تصحيح هذا المسار ضرورة ملحّة.
وشدد المصدر على أن تنويع الشراكات لا يعني الابتعاد عن الولايات المتحدة أو تقليص أهمية الدور الأميركي، بل عدم تحويله إلى القناة الوحيدة التي يمر عبرها الحل اللبناني. وقال إن لبنان يحتاج إلى شبكة علاقات أوسع تواكب ملفي الاحتلال والسلاح، وتوفر الضمانات السياسية والأمنية، وتفتح أبواب الاقتصاد وإعادة الإعمار.
وختم بأن تشابك الأزمات الداخلية اللبنانية مع مصالح دولية وإقليمية متعارضة يجعل استعادة التوازن في العلاقات الخارجية جزءاً من استعادة القدرة على إنتاج الحل الداخلي نفسه.
أخبار متعلقة :