خبر

اجتماع تامبا اختبار للدولة بين الانسحاب الإسرائيلي وحصرية السلاح

كتب أنطوان الأسمر في اللواء:

 يشكّل الاجتماع المرتقب في تامبا بولاية فلوريدا اختباراً جديداً لقدرة الدولة على تحويل التفاهمات الأمنية إلى وقائع ميدانية وسياسية، في وقت لا تزال فيه الحدود الجنوبية مفتوحة على احتمالات التصعيد، فيما تتشابك الحسابات اللبنانية مع أولويات واشنطن وتوقيت الانتخابات الإسرائيلية.

يُنتظر أن تُعقد الجولة في الأيام العشرة الأخيرة من هذا الشهر، على أن يتركز البحث على المسار العسكري والترتيبات الأمنية الميدانية.

المعضلة الأساسية التي تواجه لبنان هي أن التفاوض يجري تحت ضغط ميداني غير متكافئ، وفي ظل تباعد واضح بين أولويات الطرفين. فلبنان يحتاج إلى تثبيت وقف الاعتداءات، وتأمين الانسحاب الإسرائيلي، وإعادة الجيش إلى كامل المناطق التي يجب أن تخضع لسلطة الدولة، وتهيئة الظروف لعودة السكان إلى قراهم.

أما إسرائيل فتربط ترتيباتها الأمنية بتجريد حزب الله من سلاحه، وتواصل تقديم الضغوط العسكرية بوصفها وسيلة لفرض واقع أمني جديد. وأظهرت الجولات السابقة أن الخلاف لا يتعلق بالتفاصيل التقنية وحدها، بل بتحديد من يضع قواعد الأمن في الجنوب، وكيف تُراقَب، ومن يضمن تنفيذها.

يتمثّل التحدي الأول أمام لبنان، من الآن وحتى موعد تامبا، في توحيد الموقف الرسمي حول أهداف واضحة وقابلة للقياس. كلما اتسعت الفجوة بين الخطاب السياسي ومتطلبات التفاوض، ازدادت احتمالات أن تتحول الجلسات إلى إدارة للأزمة بدلاً من أن تكون مدخلاً لمعالجتها.

 المطلوب ليس الذهاب إلى الاجتماع بشعارات عامة عن السيادة والسلام، بل بترتيب أولويات محدد يبدأ بوقف الاعتداءات، وينتقل إلى آلية موثوقة للانسحاب الإسرائيلي، وانتشار الجيش اللبناني، والتحقق من تنفيذ الالتزامات من الجانبين.

يكتسب هذا الجانب أهمية خاصة في ضوء المعلومات المتداولة عن بحث إنشاء لجنة للتحقُّق من الترتيبات الأمنية، بما يشمل خلو المنطقة الواقعة جنوب الليطاني من المظاهر والمواقع والمنشآت المسلحة، ومراقبة الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش. وتُطرح، في هذا السياق، احتمالات مشاركة دول أخرى في آلية الرقابة، لكن طبيعة اللجنة وتركيبتها وصلاحياتها لا تزال مسائل تحتاج إلى تفاهم واضح.

أما التحدي الثاني، فيكمن في منع اختزال الملف اللبناني بمطلب نزع سلاح حزب الله، بمعزل عن الالتزامات المقابلة التي يفترض أن تتحملها إسرائيل. إذ إن المعادلة التي يحتاج لبنان إلى تثبيتها هي أن حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم بيد الدولة لا يمكن أن تبقيا عنواناً نظرياً، لكنهما لا تنفصلان عن استعادة الدولة سيادتها على كامل أراضيها، ووقف الاعتداءات، وانسحاب القوات الإسرائيلية، وضمان أمن السكان. وأي مقاربة تضع الالتزامات اللبنانية في مقدمة التنفيذ، فيما تؤجل الانسحاب ووقف العمليات العسكرية إلى مراحل غير محددة، ستواجه صعوبة في إنتاج استقرار مستدام.

هنا تبرز أهمية التمييز بين المسار العسكري والمسار السياسي. فالتفاهم على إجراءات ميدانية قابلة للتحقق قد يفتح الباب أمام خفض التصعيد، لكنه لا يشكل وحده تسوية نهائية للنزاع. في المقابل، قد تعيد أي محاولة لحسم الملفات السياسية الكبرى دفعة واحدة، قبل بناء حد أدنى من الثقة الميدانية، المفاوضات إلى نقطة الجمود. لذلك يحتاج لبنان إلى مسار متدرِّج، تترافق فيه الخطوات الأمنية مع ضمانات واضحة، ولا يتحول فيه التدرُّج إلى ذريعة لتكريس وقائع احتلال أو إبقاء القرى الحدودية تحت التهديد.

أما التحدي الثالث، فيتصل بالعامل الخارجي، ولا سيما الدور الأميركي، واشنطن هي الراعي الأساسي للمفاوضات، لكنها تتحرك أيضاً ضمن حسابات إقليمية وأولويات داخلية متغيرة. ويأتي الاجتماع المرتقب قبل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول، مما يضيف عاملاً سياسياً إلى مسار تفاوضي لم تتضح بعد فرص تحقيق اختراق فيه، مع عدم إغفال واقع أن التقدم في الملفات العسكرية والسياسية الأوسع قد يبقى محدوداً قبل انتهاء الانتخابات.

بذلك، لا يكفي أن يراهن لبنان على تدخل أميركي لوقف التصعيد، بل عليه أن يحوّل اهتمام واشنطن إلى التزامات محددة وآليات متابعة واضحة. كما أن توسيع دائرة الدعم الدولي، والاستفادة من اهتمام العواصم الأوروبية والفاتيكان باستقرار لبنان، يمكن أن يعززا الموقف اللبناني، شرط ألا يتحولا إلى بديل من موقف رسمي موحَّد أو من قدرة الدولة على متابعة تنفيذ أي تفاهم.

أخبار متعلقة :