خبر

فرنسا تتحرّك لما بعد اليونيفيل: لبنان وافق وواشنطن البديل

كتب داود رمال في “نداء الوطن”:

تتقدّم المبادرة الفرنسية الرامية إلى تشكيل قوة دولية بديلة لقوات الأمم المتحدة الموقتة في لبنان “اليونيفيل” بوصفها أحد أبرز الملفات المطروحة في الاتصالات الدبلوماسية المتعلقة بما سيكون عليه الوضع في الجنوب، في ظل التحولات الأمنية والسياسية التي تفرض البحث في مستقبل الوجود الدولي على الحدود الجنوبية. وفي هذا السياق، أبلغ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، أن القوة الفرنسية ستبقى في الجنوب، كاشفًا عن تنسيق مع دول أوروبية وغير أوروبية لتشكيل قوة بديلة، في خطوة تعكس رغبة باريس في الحفاظ على دورها الميداني والسياسي في لبنان، وعدم ترك فراغ أمني أو دبلوماسي في هذه المنطقة العالية الخطورة.

ويكتسب الموقف الفرنسي أهمية خاصة، لأنه يتجاوز التأكيد على استمرار الحضور العسكري الفرنسي، إلى طرح تصور لمرحلة ما بعد “اليونيفيل”، بما يتيح إعادة تنظيم الوجود الدولي في الجنوب ضمن صيغة جديدة. فباريس، التي تنظر إلى استقرار لبنان باعتباره جزءًا من استقرار المنطقة، تسعى إلى بناء إطار يحافظ على الحضور الدولي، ويمنح الدول المشاركة دورًا في مواكبة الترتيبات الأمنية المقبلة، في وقت لا تزال فيه الأسئلة مفتوحة حول طبيعة المهمة الجديدة وصلاحياتها وآليات عملها ومدى قدرتها على توفير ضمانات عملية للاستقرار.

وكانت إحدى النقاط الأساسية التي تناولتها الاتصالات مع الجانب اللبناني تتصل بموقف بيروت من فكرة إنشاء القوة البديلة، إذ لم يكن كافيًا أن تتبلور المبادرة الفرنسية الإيطالية وأن تبدأ الاتصالات بشأنها، بل كان لا بد من معرفة ما إذا كان لبنان يقبل بهذه الصيغة. وقد أبلغ لبنان موافقته على هذه الصيغة أو على أي صيغة بديلة تمنع الفراغ الذي سيحدثه انتهاء مهام اليونيفيل، ما أزال عقبة أساسية أمام الانتقال إلى مرحلة أوسع من المشاورات. وتكتسب هذه الموافقة دلالتها من كون أي ترتيب دولي جديد في الجنوب يحتاج إلى غطاء لبناني واضح، وإلى تفاهم بشأن دوره وحدود مهمته وعلاقته بالمؤسسات العسكرية والأمنية اللبنانية.

لكن موافقة بيروت لا تعني أن الطريق باتت مفتوحة بالكامل، إذ تبقى الموافقة الأميركية الحلقة الأهم في استكمال المسار. وفي هذا الإطار، أبلغ الفرنسيون الجانب اللبناني أنهم يبذلون جهودًا لإقناع واشنطن في الموافقة على المشروع، وأنهم سيواصلون هذه المساعي للوصول إلى موقف أميركي مؤيد. وتستند المقاربة الفرنسية، بحسب ما نُقل في هذا السياق، إلى تقدير مفاده أن موافقة الولايات المتحدة من شأنها أن تزيل جانبًا أساسيًا من الاعتراضات المحتملة، ولا سيما أن باريس ترى أن الموقف الأميركي سيكون مؤثرًا في حسابات إسرائيل حيال القوة المقترحة.

ومن هنا، تبدو الاتصالات الفرنسية العربية والدولية أبعد من كونها مشاورات شكلية أو محاولة لحشد تأييد سياسي عام، فهي تهدف إلى تأمين المناخات الملائمة لإنجاح المبادرة الفرنسية الإيطالية، واستقطاب الدول القادرة على المشاركة، وتوفير التفاهمات الضرورية بشأن شكل القوة ومهماتها والظروف السياسية والأمنية التي ستعمل ضمنها. وتدرك باريس أن نجاح المشروع لا يتوقف على إعلان الرغبة في تشكيله، بل يتطلب تقاطعًا بين المصالح الدولية، وقبولا لبنانيًا، وتفهمًا أميركيًا، فضلا عن معالجة الرفض المرتبطة بموقف إسرائيل من أي صيغة أمنية جديدة في الجنوب.

وفي موازاة الملف الأمني، تتناول المشاورات الفرنسية سبل استمرار الدعم الاقتصادي والاجتماعي والتربوي للبنان، بما يعكس مقاربة تعتبر أن الاستقرار لا يمكن أن يتحقق عبر الترتيبات العسكرية وحدها. وتؤكد فرنسا استمرار اهتمامها بدعم المؤسسات اللبنانية، مع تركيز خاص على الجيش والأجهزة الأمنية، باعتبارها ركائز أساسية لحماية الاستقرار وتعزيز قدرة الدولة على أداء مسؤولياتها. كما أن استمرار الدعم الاجتماعي والتربوي والاقتصادي يشكل عنصرًا مكملا لأي مسعى دولي يرمي إلى تثبيت الأوضاع اللبنانية ومنع تفاقم الأزمات الداخلية.

وفي ظل هذا الحراك، يقف لبنان أمام مسار دبلوماسي يتجاوز مسألة استبدال قوة دولية بأخرى، ليطرح سؤالا أوسع عن مستقبل الضمانات الأمنية في الجنوب ودور الدولة اللبنانية فيها. فالموافقة اللبنانية تمثل خطوة أولى، فيما تبقى واشنطن نقطة الاختبار الأساسية للمبادرة. وانطلاقًا من التحرك الفرنسي والتنسيق الدولي والحاجة اللبنانية إلى الاستقرار، ستتحدد قدرة المشروع على الانتقال من إطار المشاورات إلى صيغة عملية قابلة للتنفيذ، من دون أن تتحول المرحلة الانتقالية إلى فراغ أمني جديد.

أخبار متعلقة :