بعد رحلة استثنائية استمرت 28 عاماً وامتدت على مسافة نحو 50 ألف كيلومتر عبر أربع قارات، عاد المغامر البريطاني كارل بوشبي، البالغ 57 عاماً، إلى مدينته هال شمال شرقي إنكلترا، منهياً مغامرته التي انطلق فيها من تشيلي عام 1998، واضعاً شرطاً أساسياً بألا يستخدم أي وسيلة نقل للتقدم في رحلته.
واستقبل حشد وصل إلى نحو ألف شخص بوشبي في وسط المدينة، حيث شكر الذين ساندوه طوال الطريق، مؤكداً أنه لم ينجز هذه الرحلة بمفرده، بل كانت ثمرة جهد عالمي شارك فيه أشخاص كثيرون ساعدوه على تجاوز العقبات.
وقال بوشبي أمام الحاضرين: "لم أقم بذلك وحدي"، مضيفاً أن الرحلة تطلبت مواجهة حكومات وتحديات من الأصعب التي يمكن تخيلها. وكان قد عبر جسر هامبر قرب هال يوم الأحد وسط الضباب، قبل أن يتوجه إلى وسط المدينة ثم إلى منزل والدته.
من تشيلي إلى إنكلترا... رحلة بدأت بـ500 دولار
بدأت فكرة المغامرة بعدما تلقى بوشبي بطاقة معايدة من والده كيث في منتصف تسعينيات القرن الماضي، تضمنت نقاشاً عن إمكانية السير من لندن إلى نيويورك عبر جسر بيرينغ البري، الذي يُعتقد أن البشر الأوائل استخدموه للانتقال من آسيا إلى الأميركتين عندما كان مستوى البحار منخفضاً.
ورسم بوشبي خطاً متواصلاً على الخريطة عبر أوروبا وآسيا وأميركا الشمالية، لكنه قرر تمديد المسار حتى الطرف الجنوبي من تشيلي. وانطلق عام 1998 ومعه 500 دولار فقط، واضعاً قاعدتين: عدم استخدام وسائل النقل للتقدم في الرحلة، والعودة إلى منزله سيراً على الأقدام.
وعبر خلال مغامرته أربع قارات ونحو 30 دولة، واجتاز غابات وأدغالاً وصحارى ومناطق متجمدة. وفي عام 2001، واجه مخاطر منطقة دارين غاب بين أميركا الجنوبية والوسطى، قبل أن يُسجن 18 يوماً بسبب عبوره منطقة حدودية محظورة في بنما.
وفي عام 2006، خاض مع المغامر الأميركي ديميتري كيفر عبوراً نادراً لمضيق بيرينغ، الذي يفصل ألاسكا عن روسيا، على مسافة بلغت 56 ميلاً. وتعرض خلاله للسقوط في مياه شديدة البرودة، وكاد يفقد إمداداته، قبل أن يُعتقل مع رفيقه ويواجه خطر الترحيل بسبب دخولهما روسيا بصورة غير قانونية.
التأشيرات والوباء يمددان الرحلة
كان بوشبي يتوقع أن تستغرق الرحلة نحو 12 عاماً، لكنها امتدت إلى 28 عاماً بسبب العقبات الإدارية ومشكلات التأشيرات والظروف الجوية. واستغرق عبوره روسيا قرابة عشر سنوات، بعدما لم تسمح الأحوال الجوية بالتنقل سوى خلال أشهر محدودة من السنة.
وفي عام 2012، رفضت روسيا منحه تأشيرة، فقرر السير احتجاجاً من لوس أنجلوس إلى السفارة الروسية في واشنطن، قبل أن يتمكن لاحقاً من الحصول على الأوراق المطلوبة.
كما اضطر إلى التوقف مرات عدة، والانتقال إلى الولايات المتحدة أو المكسيك حيث كانت كلفة المعيشة أقل، بانتظار استئناف الرحلة من النقطة التي توقف عندها. وأدى تفشي جائحة كورونا إلى تأخير إضافي، فيما دفعته التوترات الجيوسياسية وإغلاق المسارات عبر روسيا وإيران إلى عبور بحر قزوين سباحة، في رحلة استمرت 31 يوماً، مستخدماً سترة طفو وبدلة غوص.
أما في أوروبا، ففرضت قيود الإقامة التي لا تتجاوز 90 يوماً تحدياً إضافياً، إذ اضطر إلى تقسيم رحلته إلى مراحل تمتد كل منها ثلاثة أشهر. وفي مطلع تشرين الأول، سبح عبر القنال الإنكليزي من شمال فرنسا ليعود إلى الأراضي البريطانية.
— Chad Thomas ???????????????????????????? (@ChadThomasUK) This is a Twitter Statusمساعدة الغرباء... والعودة إلى الحياة العادية
وبحسب تقرير نشرته "يورونيوز"، لم يقتصر الدعم الذي تلقاه بوشبي على الرعاة والممولين، بل ساعده أشخاص التقاهم في بلدان مختلفة، وقدموا له الطعام والمأوى والرعاية الصحية من دون انتظار مقابل.
وروى أنه استُقبل في مساكن بسيطة، وأن عائلة طبيب في بيرو ساعدته على التعافي من التهاب حاد في المعدة، كما قدم له أشخاص وجبات من الأرز والماء رغم محدودية إمكاناتهم.
وقال: "لقد استقبلني أفقر الفقراء"، مضيفاً أنه التقى أشخاصاً يمثلون "أفضل ما في الإنسانية"، وأن ردود الفعل التي لمسها كانت متشابهة في مختلف الثقافات والبلدان.
وفي المرحلة الأخيرة من رحلته، كان من المقرر أن يلتقي والدته أنجيلا، وابنه آدم البالغ 36 عاماً، وحفيدته البالغة 12 عاماً، التي لم يسبق له أن التقاها.
ورافق المخرج الألماني فيرنر هرتسوغ وفريق تصوير بوشبي خلال عودته، في إطار إعداد فيلم وثائقي طويل عن الرحلة يحمل عنوان "Walk of Life".
وبعد أن أمضى نحو ثلاثة عقود يركز على الوصول إلى الخطوة التالية، يواجه بوشبي تحدياً مختلفاً يتمثل في العودة إلى الحياة اليومية. وكان قد قال في مقابلة مع وكالة الصحافة الفرنسية في أيلول إنه يحتاج إلى إعادة الاندماج في الحياة العادية، بعدما أصبحت الرحلة محور حياته طوال 28 عاماً.
أخبار متعلقة :