خبر

كرة فلسطين معلّقة منذ الحرب.. لاعبون بلا أندية وجيل يضيع خارج الملاعب

منذ نحو 3 سنوات، لم يخض مهدي حجازي أي مباراة احترافية. فالحرب على غزة أدخلت الدوري الفلسطيني في حالة شلل طويلة، وتركت لاعبين كثيرين خارج الملاعب، من دون رواتب أو أفق واضح للعودة.

وبحسب تقرير لـ"Al Jazeera"، يقضي حجازي، البالغ 23 عاماً، أيامه قرب ملاعب صغيرة في حي الشيخ جراح في القدس الشرقية المحتلة، على مقربة من مقر الشرطة الإسرائيلية. هناك، يساعد في توزيع المرطبات على اللاعبين، محاولاً البقاء قريباً من اللعبة التي نشأ عليها.

Advertisement


حجازي، الذي سبق أن لعب للمنتخب الفلسطيني ونادي هلال القدس، يقول إن كرة القدم بالنسبة إليه ليست مجرد مهنة، بل جزء من الحياة اليومية. لكن منذ توقف النشاط الرياضي، بات اللاعبون يكتفون بالتدريبات الفردية في الصالات الرياضية، بانتظار عودة المنافسات.

وكان نادي هلال القدس جزءاً أساسياً من حياة حجازي، إذ أسسه جده، وتدرج هو في فئاته العمرية حتى وصل إلى الفريق الأول وشارك معه في مباريات خارج فلسطين. لكن هجمات 7 تشرين الأول 2023 وما تلاها من حرب على غزة غيّرت كل شيء.

ولا يعرف أحد حتى الآن متى يعود الدوري الفلسطيني للمحترفين، المعلّق منذ بداية الحرب، وسط مخاوف متزايدة على مستقبل كرة القدم الفلسطينية.

رواتب اختفت ومهن بديلة

قبل توقف الدوري، كانت الأندية الفلسطينية تعتمد على لاعبين من الضفة الغربية والقدس الشرقية. لكن التصعيد العسكري الإسرائيلي في الضفة، وإغلاق الطرق، وتصاعد اعتداءات المستوطنين، جعلت تنقل اللاعبين بين المدن أمراً بالغ الصعوبة.


وبحسب التقرير، كان اللاعب المحترف في الدوري الفلسطيني يتقاضى سابقاً ما بين 2000 و3000 دولار شهرياً، فيما كان بعض لاعبي المنتخب يحصلون على نحو 7000 دولار.

أما اليوم، فقد تغير المشهد بالكامل. يقول المدرب خالد أبو دلو، وهو لاعب سابق في المنتخب ويدير أكاديمية كروية في القدس منذ نحو عقد، إن بعض لاعبيه السابقين الذين كانوا نجوماً باتوا عاطلين عن العمل أو يعملون في مهن لا تعكس مسيرتهم الرياضية.

ويؤكد حجازي أن عدداً كبيراً من اللاعبين تركوا كرة القدم في ذروة مسيرتهم، واتجهوا إلى أعمال مختلفة. فمنهم من يعمل في البناء، ومنهم من أصبح حلاقاً أو ميكانيكياً أو موظفاً في سوبرماركت أو مخبز.

ويضيف أن المشكلة لا تتعلق بالرياضة فقط، بل بالدخل اليومي لعائلات كاملة، إذ كان اللاعبون يعتمدون على الراتب الشهري، بينما بات كثيرون منهم اليوم بلا مصدر ثابت للعيش.

أما اللاعب السابق مصطفى عويس، فيروي أن أحد زملائه من بيت لحم كان يعتمد بالكامل على كرة القدم، لكنه بعد الحرب أصبح يعمل يومين في الأسبوع داخل الضفة، مقابل مبلغ زهيد لا يكفي عائلته. كما يشير إلى أن لاعباً آخر كان يتقاضى 5000 دولار شهرياً، بات يعيش اليوم على نحو 500 دولار فقط.

الهجرة إلى دوريات أخرى

مع غياب الدوري المحلي، حاول بعض اللاعبين البحث عن فرص بديلة. بعضهم انتقل إلى الدوري الإسرائيلي، رغم حساسية القرار سياسياً واجتماعياً. ويقول المدرب أبو دلو إن اللاعب، في نهاية المطاف، يريد ممارسة ما يحب وتأمين حياته، إلى حين عودة الدوري الفلسطيني.

كما اتجه لاعبون آخرون إلى الخارج. ويقدّر المدرب عبد الفتاح عرار، الذي سبق أن قاد أندية فلسطينية بارزة، أن ما بين 70 و80 لاعباً ذهبوا إلى ليبيا، ونحو 10 إلى مصر، وعدداً أقل إلى الأردن وقطر والكويت وماليزيا وإندونيسيا.

وتعامل بعض هذه الدول اللاعبين الفلسطينيين كلاعبيين محليين لا أجانب، ما يجعل التعاقد معهم أقل كلفة. لكن الفرصة لا تكون متاحة للجميع، فبعض اللاعبين، وفق عرار، "يختفون" من المشهد الرياضي بالكامل.

ويقول حجازي إن العودة بعد فترة طويلة من التوقف ليست سهلة، حتى لمن يجد عرضاً خارجياً. فاللاعب يحتاج أولاً إلى استعادة لياقته وشغفه داخل الدوري المحلي، قبل التفكير بخوض تجربة احترافية في الخارج.

كرة النساء.. إنجاز وسط الانهيار

في المقابل، نجح منتخب فلسطين للسيدات في منح بعض الأمل للكرة الفلسطينية. ففي نيسان 2025، فاز المنتخب ببطولة غرب آسيا للسيدات للمرة الأولى بعد تغلبه على الأردن في النهائي.

وتقول ليلى عتمة، البالغة 18 عاماً، وهي لاعبة من بيت حنينا في القدس الشرقية وعضو في منتخب تحت 20 عاماً، إن اللاعبات كنّ يذكّرن أنفسهن دائماً بأن هناك أشخاصاً في غزة يشجعونهن، ما منح المنتخب دافعاً إضافياً.

لكن هذا الإنجاز لا يخفي حجم الأزمة. فالنوادي التي لعبت لها ليلى سابقاً اختفت بسبب الظروف الحالية، وهي لا تعرف فتيات في عمرها ما زلن يمارسن كرة القدم في القدس. وتقول إن غياب الهدف يجعل الاستمرار صعباً، لأن الموهبة تحتاج إلى تدريب وفرص، ومن دون ذلك لا يمكن التقدم.

جيل يخرج من اللعبة

الخطر الأكبر، بحسب المدربين، لا يطال اللاعبين الحاليين فقط، بل جيلاً كاملاً من المواهب الشابة.

يقول خليل حامد، اللاعب السابق والمدرب الحالي في أكاديمية أبو دلو، إن كل سنة من التوقف تعني خسارة جيل جديد. فالشبان الذين كان يفترض أن يدخلوا الفريق الأول في عمر 18 عاماً، تركوا اللعبة أو فقدوا حافز الاستمرار.

أما عبد الفتاح عرار، الذي ساهم في تطوير دوري الضفة منذ انطلاقه عام 2008، فيقول إن أياً من اللاعبين الشباب الذين كان يدربهم عام 2023 لم يعد يمارس كرة القدم اليوم. ويضيف أن 3 أو 4 سنوات في كرة القدم تعادل جيلاً كاملاً، أو دورة كاملة بين كأس عالم وأخرى.

ورغم الآمال بعودة نسخة مصغّرة من الدوري بعد العطلة الصيفية، تبدو الظروف المالية صعبة. فالأندية تعاني نقصاً حاداً في التمويل، في ظل تجميد أموال السلطة الفلسطينية من جانب إسرائيل، وتراجع دعم رجال الأعمال المحليين.

ويقول عويس إن رواتب اللاعبين، في حال عودة الدوري، قد لا تتجاوز 500 شيكل شهرياً، وربما لا يحصل البعض على أي راتب. ويختصر المشهد بالقول إن الرياضة الفلسطينية عادت 20 عاماً إلى الوراء.

ومع ذلك، يرفض عرار الاستسلام. فهو يرى أن الأكاديميات المنتشرة في القرى والمدن الفلسطينية، والتي يدير كثيراً منها لاعبون سابقون، قد تشكل نواة لنهضة مستقبلية.

وفي ملاعب الشيخ جراح الصغيرة، يراقب لاعبون سابقون أطفالاً لا تتجاوز أعمارهم 12 عاماً وهم يتدربون. يعتقد أبو دلو أن بينهم مواهب حقيقية، لكنه يخشى أن يواجهوا المصير نفسه إذا طال توقف الدوري.

ويقول إن اللاعب الشاب، إذا بلغ 18 عاماً من دون فرصة، قد يجد نفسه أمام خيارين فقط: أن يصبح مدرباً، أو أن يترك كرة القدم نهائياً.

أخبار متعلقة :