خبر

البيت الأبيض: مقولة “الحرب الأهلية” ذريعة للتهرّب من الحسم مع “الحزب”

كتبت أمل شموني في “نداء الوطن”:

تتوقع واشنطن أن يؤدي تحدي لبنان لإيران إلى تسريع الانهيار المالي والعملياتي لـ “حزب الله” رغم محاولات طهران التصدي له. فطرد السفير الإيراني نقطة تحوّل إذ يشير إلى استعداد بيروت لمواجهة طهران مباشرة، وليس مجرد انتقاد “حزب الله” بشكل غير مباشر. كما إنه يندرج ضمن تحوّل أوسع نطاقًا لتقييد النشاط العسكري لـ “حزب الله” وفرض سيطرة الدولة، وهو ما طالما رغبت واشنطن في رؤيته.

ورغم الاستياء الأميركي من عدم تنفيذ بيروت قرار مغادرة سفير طهران، اكتسب طرده أهمية بالغة لأن سفير إيران يُنظر إليه على نطاق واسع كجزء من النظام السياسي واللوجستي الذي يدعم “حزب الله”، لذا فإن إبعاده يتجاوز كونه مجرد بادرة دبلوماسية.

وتقول مصادر دبلوماسية أميركية إن النقطة الأساسية تكمن في أن لبنان ينتقل من الشكاوى الرمزية إلى ممارسة ضغط مؤسسي ملموس على “حزب الله” ونفوذ إيران. وهو ما تراه إدارة ترامب مؤشرًا إلى أن شبكة دعم “حزب الله” قد ضعفت، لذا، يمكن اعتبار التحرك اللبناني ضد الوجود الدبلوماسي الإيراني استغلالًا لفرصة نادرة تأمل واشنطن في إنجازها.

من هنا تقرأ المصادر الدبلوماسية الأميركية هذا الأمر كاختبار لقدرة الحكومة اللبنانية الحالية على مواصلة التصعيد من التصريحات إلى التنفيذ، خصوصًا وأن رئيس الوزراء نواف سلام قال إن الحرس الثوري الإيراني هو من يوجّه عمليات “حزب الله”، وأن جميع الأنشطة العسكرية التي يقوم بها “الحزب” غير قانونية.

وتُعدّ هذه الخطوة أميركيًا مهمة، لكنها ليست حاسمة بعد، إذ إن معارضة كل من “حزب الله” وإيران لها تظهر أن الصراع على سيادة لبنان لا يزال مستمرًا.

في المقابل، ومع انتهاء شهر آذار 2026، تبدو الآمال في انسحاب إسرائيلي سريع من جنوب لبنان قد تلاشت تمامًا تقريبًا؛ إذ يتحدث المسؤولون الأميركيون علانية عن وجود إسرائيلي أمني طويل الأمد جنوب نهر الليطاني. وفي الوقت ذاته، يُقرون في أحاديثهم الخاصة، بأنه لا يمكن تحقيق أي تهدئة مستدامة من دون حدوث تحوّل جوهري داخل لبنان نفسه. وتتمثل المشكلة الأساسية، من وجهة نظر واشنطن، ليس في نزاع حدودي أو انتهاك فني لوقف إطلاق النار، بل في “حزب الله”.

وفيما يواصل “الحزب” العمل في كل من شمال وجنوب نهر الليطاني، رغم الالتزامات اللبنانية المفترضة، تعتبر واشنطن أن القيادة السياسية اللبنانية لا تزال منقسمة ومحجمة عن المخاطرة أكثر من أي وقت مضى، كما إنها تبدو مشلولةً بفعل اختلالاتها الطائفية والاستراتيجية معًا. وقال مصدر في البنتاغون ملخصًا جوهر إحباط واشنطن: “إن لبنان اليوم لا يستطيع حماية نفسه من إسرائيل، ولا يستطيع نزع سلاح “حزب الله”، ما يترك المجال للآخرين ليتصرفوا نيابةً عنه”.

هذا الكلام يعكس مخاوف واشنطن المستمرة وعمق شكوكها لجهة تنفيذ بيروت التزاماتها منذ اتفاق وقف الأعمال العدائية، فبرأي مسؤول أميركي سابق “إن إسرائيل تتصرف لأن الدولة اللبنانية اختارت ألا تتصرف”، مشددًا على انعدام الثقة الأميركية في أن لبنان سيتحرّك يومًا ما نحو أي مرحلة ذات مغزى لنزع سلاح “حزب الله”.

وفيما يتضاءل الصبر الأميركي إزاء ما يصفونه بشكل متزايد بـ “المسرح السياسي اللبناني”، يُبدي دبلوماسيون أميركيون امتعاضهم من الإصرار على “تكتيك المماطلة” من خلال استحضار الحرب الأهلية وإبقاء المؤسسات الأمنية خارج المعادلة. وكما صاغها أحد كبار مستشاري البيت الأبيض: إن التوازن الطائفي في لبنان ليس سوى “ورقة توت إجرائية تسمح للجميع بالتهرب من القضايا الصعبة، التي هي اليوم أسلحة حزب الله”.

وقد أدى هذا الامتعاض إلى مناقشات هادئة في واشنطن حول أدوات الضغط المتاحة ومنها فرض عقوبات. فبحسب مصدر في الخارجية الأميركية، تدعم الولايات المتحدة هدف الحكومة اللبنانية المعلن حول بسط سيادتها كاملة على جميع أراضيها. لكنها في المقابل، تدعم بشكل كامل حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها ضد “حزب الله” والجماعات الأخرى المدعومة من إيران. والأهم من ذلك، قال المصدر إن الولايات المتحدة تؤكد أن عدو إسرائيل هو “حزب الله” وليس الدولة اللبنانية أو شعبها.

وعلى الرغم من تدهور الأوضاع في ساحة المعركة، إلا أن الثابت الاستراتيجي الأساسي لواشنطن يظل دون تغيير: إن نزع سلاح “حزب الله” بالكامل هو المسار الوحيد نحو الاستقرار. ويُقر مسؤولون أميركيون بأن هذا الأمر سيتطلب وقتًا، وتدرجًا في الخطوات، وانخراطًا مستمرًا مع لبنان؛ غير أنهم يرفضون الحلول والتدابير الناقصة، خصوصًا وأنهم يصفون “حزب الله” بـ “الورم الخبيث” في منطقة الشرق الأوسط. فقد شدد مصدر في الكونغرس على أن نزع سلاح “حزب الله” بالكامل يجب أن يظل أولوية جوهرية بالنسبة للجيش اللبناني إذا ما أُريد للدعم الأميركي أن يستمر. وعلمت “نداء الوطن” أن بعض أعضاء الكونغرس يستعدون لمخاطبة البنتاغون حول إمكانية “منح دور أكبر للقيادة المركزية الأميركية لمساعدة الجيش في ضمان توفير الرقابة، والمعلومات الاستخباراتية، والموارد اللازمة لمهمة نزع سلاح “حزب الله” بالكامل”.

غير أن حالة الإحباط الأميركية تجاه المؤسسة العسكرية آخذة في التصاعد. وفي هذا السياق، يتحدث دبلوماسي أميركي سابق بصراحة تامة: إن مشكلة الجيش لا تكمن في القدرات، بل في الإرادة السياسية اللبنانية. وتشير مصادر البنتاغون إلى أنها تحقق في واقع أن “كل ما قام به الجيش من إجراءات كان يتم بموافقة “حزب الله”، فيما تظل الرسالة الأميركية واضحة: لقد نفد الصبر، ولن يكون الدعم غير مشروط.

وفي ظل هذه الخلفية، تراجع الحديث في واشنطن عن المفاوضات ليتحول الموضوع الى مجرد كلام أجوف لا يعني إلا هروبًا إلى الأمام ورغبة لبنانية في وقف إطلاق النار. في هذا الإطار، يؤكد خبراء أميركيون في الشأن اللبناني أنه “إذا كان لبنان يرغب في التوصل إلى وقف لإطلاق النار، فلن يحصل عليه مجانًا، أو دون أن يتخذ أي إجراءات فعلية تجاه “حزب الله”.

من هنا، لم تعد عواقب “التقاعس عن العمل” مجرد فرضيات، وواشنطن تراقب التزام بيروت بتعهداتها. في هذا السياق، يؤكد مصدر قريب من البيت الأبيض أن واشنطن مرتاحة للنبرة السياسية اللبنانية الجديدة، ولكنها بانتظار أن تعمد بيروت إلى walk the walk وليس فقط talk the talk لتتمكن من القيام بتقييم واقعي ورصين للموقف. فبنظر هذا المصدر الأميركي، على لبنان أن يتحرك حيث أمكن إذا بالفعل لم تكن هذه الحرب خياره، بل خيار إيران وحلفائها على أرضه… ولكن بنظر المصدر حتى المتعاطفون مع بيروت في واشنطن يلاحظون الهوة السحيقة التي تفصل بين الخطاب الرسمي اللبناني والتنفيذ على أرض الواقع. فـ “الطبقة السياسية في لبنان تفضل حالة الشلل من خلال الاستمرار في التسامح مع فصيل مسلح عمل على إفراغ الدولة من مضمونها من الداخل”، من هنا يسأل المصدر: هل حان وقت طرح العقوبات بجدية على المعرقلين اللبنانيين؟

أخبار متعلقة :