كتبت راغدة درغام في النهار:
يخاطر الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن يمنح الحرس الثوري الإيراني ما عجز عن انتزاعه بالحرب: شرعية سياسية متجددة لأذرعه الإقليمية، من “حزب الله” في لبنان إلى الحشد الشعبي والفصائل العراقية، ومن الحوثيين في اليمن إلى “حماس” و”الجهاد” في غزة. هذه ليست مناورة تفاوضية عابرة، بل قد تكون بداية انزلاق أميركي خطير من سياسة تطويق النفوذ الإيراني إلى سياسة التعايش معه باسم الواقعية ومنع الحرب.
المشكلة ليست أن واشنطن تفاوض طهران. الدول تفاوض أعداءها عندما تقتضي الضرورة. المشكلة أن المفاوضات المرحلية أو الانتقالية قد تتحول إلى وسيلة لترحيل الملفات الجوهرية، لا إلى حلّها. فإذا جرى تأجيل الملف النووي، وتأجيل الصواريخ والمسيّرات، وتأجيل الأذرع والوكلاء، وتأجيل السلوك الإقليمي الإيراني، تكون الولايات المتحدة قد منحت إيران الوقت من دون أن تنتزع منها التنازلات التي تبرر هذا الوقت.
الحرس الثوري الإيراني لا يتصرف كمن انتصر فعلاً، لكنه يتصرف كمن يروّج لهذيان الانتصار. فهو يعتقد أن تردد دونالد ترامب وخوفه من الحرب ومن الثأر الإيراني يمنحانه فرصة لتحويل الخسائر العسكرية والاقتصادية إلى مكاسب سياسية. هذا وهم خطير. فإيران ليست في موقع القوة المطلقة، بل في عمق معضلة اقتصادية خانقة، من التضخم إلى العقوبات إلى الحصار المالي والبحري. نقطة الضعف الأساسية في الجمهورية الإسلامية اليوم هي الاقتصاد، لا الخطابة الثورية ولا صواريخ الحرس الثوري.
لهذا السبب تصبح الاتفاقات المرحلية سيفاً ذا حدين. فهي قد تعطي ترامب وقتاً سياسياً وتجنّب المنطقة مواجهة عسكرية، لكنها قد تكبل أيضاً قدرة الولايات المتحدة على تعميق الخنق الاقتصادي في اللحظة التي بدأت فيها هذه الورقة تؤلم طهران. فإذا خفّف ترامب الضغط قبل انتزاع التزامات واضحة ومكتوبة، يكون قد منح طهران متنفساً يحتاجه الحرس الثوري لإعادة تمويل أذرعه وترميم شبكاته واستئناف مشروعه الإقليمي.
ليست الأذرع تفصيلاً في المشروع الإيراني. إنها جوهر المشروع. البرنامج النووي رأسه، والصواريخ والمسيّرات ذراعه العسكرية، لكن الأذرع والوكلاء هم جسده السياسي والأمني في المنطقة. عبرهم تضرب طهران الاستقرار حين تشاء، وتفاوض حين تشاء، وتتنصل حين تشاء. لذلك فإن ترحيل ملف الأذرع إلى مرحلة لاحقة لا يقل خطورة عن ترحيل الملف النووي. بل قد يكون أخطر لأنه يمس مباشرة سيادة الدول العربية وأمن الخليج ومستقبل لبنان والعراق واليمن.
لبنان هو المثال الأكثر إيلاماً، لكنه ليس المثال الوحيد. في لبنان، تبدو المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية برعاية أميركية ضرورية لأنها تمنح الدولة اللبنانية فرصة لاستعادة دورها وإثبات سيادتها والسعي إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي. لكن هذه المفاوضات تصبح خطراً إذا تحولت إلى بوابة تعترف ضمناً بأن “حزب الله” طرف لا يمكن تجاوزه في مستقبل لبنان. عندها لا تكون واشنطن تساعد لبنان على استعادة قراره، بل تساعد الحرس الثوري على تثبيت وصايته عليه بوسيلة تفاوضية.
“حزب الله” سيحاول تسويق أي قناة تفاوضية، مباشرة أو غير مباشرة، على أنها اعتراف بموقعه. سيقول إن واشنطن نفسها مضطرة إلى التعامل معه. وسيقول للحرس الثوري إن الخسائر العسكرية لا تمنع تحصيل المكاسب السياسية. هكذا يتحول الحزب من أداة عطّلت الدولة إلى طرف يُكافأ لأنه عطّلها.
في العراق، تبدو الصورة أكثر تعقيداً وأشد دلالة. قرار مقتدى الصدر دمج “سرايا السلام” ضمن مؤسسات الدولة وضع الفصائل الأخرى أمام اختبار الولاء: هل السلاح للدولة العراقية أم لمحور الحرس الثوري؟ لكن الفصائل الأكثر التصاقاً بطهران لا تبدو مستعدة بسهولة للتخلي عن استقلاليتها العسكرية أو السياسية. هنا بالذات تظهر مشكلة الأذرع في صورتها الأوضح: الدولة تريد احتكار السلاح، والحرس الثوري يريد إبقاء السلاح الموازي جاهزاً لاستخدامه عند الحاجة.
أخبار متعلقة :