جاء في نداء الوطن:
أثار غياب المرشد الأعلى الإيراني الجديد مجتبى خامنئي عن مراسم تشييع والده علي خامنئي هذا الأسبوع تساؤلات جديدة بشأن صحته ومخاوفه من الاغتيال، فضلا عن كونه مؤشرًا إلى أنه قد يؤدي وظيفة مختلفة إلى حدّ كبير بوصفه الرجل الأوّل في النظام الإيراني، مقارنة بوالده المطلق النفوذ، ناهيك عن سلف علي خامنئي، مؤسّس الجمهورية الإسلامية روح الله الخميني. ويُعتقد أن مجتبى أُصيب في الضربات الافتتاحية التي شنّتها إسرائيل وأميركا وقتلت والده ووالدته وزوجته في شباط الماضي. ومنذ بدء الحرب، بقي مجتبى مختبئًا، متواصلا مع مؤيديه فقط عبر بيانات مكتوبة، من دون أن يظهر وجهه أو يستخدم صوته. ولسخرية القدر، كان علي خامنئي قد انتقد القادة الأميركيين في خطاب عام 2005 بسبب “اختفائهم” بعد هجمات 11 أيلول 2001، معلنًا في حينه أنه “إذا وقعت تجربة مريرة لإيران… فسنرتدي نحن أنفسنا لباس المعركة ونقف مستعدّين للتضحية”.
أوضح الباحث الإداري في معهد الدراسات العليا في جنيف فرزان ثابت لوكالة “فرانس برس” أن غياب الحضور العلني لمجتبى “لا يبدو جيدًا لصورته العامة، لكن ذلك قد يكون مؤقتًا، ويمكن إدارته على المدى الطويل”، مشيرًا إلى أن غياب مجتبى يعود على الأرجح إلى مزيج من إصابات جسدية، واعتبارات أمنية “نظرًا إلى خطر استخدام الظهور العلني لتعقبه وتهيئة الأرضية لاغتيال مستقبلي”. وتوقع “صراعًا على السلطة” قد يشمل مجتبى ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، الذي أصبح منذ الحرب أبرز وجه علني للجمهورية الإسلامية. ورجّح أن تكون قوة مجتبى وسلطته أكثر خضوعًا لـ “الحرس الثوري”، وأن تكون شرعيته أقلّ حتى من شرعية والده، لكنه أشار إلى أن مجتبى “يستطيع ترسيخ سلطته بين الأتباع الأساسيين للنظام، خصوصًا إذا أصبح أكثر ظهورًا في وقت لاحق، بعد شفاء إصاباته وسماح الوضع الأمني بذلك”.
وأكد مدير السياسات في مركز الأبحاث الأميركي “متّحدون ضدّ إيران نووية” جيسون برودسكي لـ “فرانس برس” أن مجتبى اعتمد على دعم “الحرس الثوري” للفوز بالمنصب، وبات “أكثر اعتمادًا” على هذه القوة، موضحًا أن ميزان القوى بين مكتب المرشد الأعلى و”الحرس الثوري” اختلّ. ووصف مجتبى بأنه “زعيم أضعف” من والده، لكنه أشار إلى أن علي خامنئي استغرق “سنوات لتوطيد سلطته” بعد تعيينه عام 1989. ورأى أنه بينما “تحاول إيران إظهار القوة والتماسك والبقاء” بعد الحرب، يدل غياب مجتبى على أن “خلف الكواليس هناك خوفًا وقلقًا” بعد مقتل والده وطبقة كاملة من المسؤولين. وشدّد الباحث البارز في معهد الشرق الأوسط أليكس فاتانكا على أن مجتبى “لا يستطيع استحضار كاريزما الخميني، ولا يستطيع اصطناع سلطة والده، التي احتاجت إلى عمر من الأزمات لبنائها”، فيما يدرك المسؤولون الإيرانيون أن “الخلافة الوراثية” كانت بالضبط ما رُفض عندما أطاحت الثورة الإسلامية الشاه عام 1979. ورجّح فاتانكا أن يحكم مجتبى “من خلال المؤسسات، لا من فوقها”.
في السياق، أوضح مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية علي واعظ لشبكة “سي أن أن” أن دور المرشد الأعلى يتمثل في أن يكون قائدًا علنيًا للجمهورية الإسلامية ومشرفًا داخليًا على النظام نفسه. وعمليًا، فإن المهمة الأهم التي تواجه مجتبى الآن هي الحفاظ على الوحدة بين المشغلين الأساسيين للجمهورية الإسلامية خلف الكواليس. وذكر واعظ أن “استمرار الغياب قد يثير بعض الأسئلة لدى المؤيدين الأساسيين للنظام، لكن ما يهم بالقدر نفسه هو الدور الذي يؤديه (مجتبى) خلف الكواليس في التحكيم بين النخب السياسية والأمنية التي قد لا تكون متفقة في قضايا السياسة الداخلية والخارجية”. وأضاف أنه “كونه غير مرئي لا يعني أنه غير خاضع للمساءلة، سواء بسبب السلطة التي يمارسها من حيث المبدأ أو بسبب تلك التي قد يفتقر إليها في الواقع”.
في الغضون، عمل المسؤولون الإيرانيون على التقليل من شأن إصابات مجتبى وإظهار صورة التعافي الكامل، زاعمين أنه أدار مفاوضات طهران مع واشنطن، كما بنوا سردية تبجيل للمرشد الجديد في الشوارع وفي “اللغة الجديدة” للجمهورية الإسلامية. لكن حتى بين أشدّ مؤيدي النظام ولاءً، قد يخلق غياب مجتبى شكوكًا ويفتح المجال لانتقادات كانت محرّمة في السابق ويعمّق الخلافات الداخلية، وسط صراعات بشأن الدبلوماسية مع واشنطن، إذ اتهمت بعض الأطراف داخل الجمهورية الإسلامية المفاوضين مع أميركا بتحدّي أوامر مجتبى، بل إن البعض اعتبر أن المفاوضين نفّذوا انقلابًا، وهي اتهامات أدّت إلى رشق رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي بالحجارة أثناء مشاركتهما في مسيرة تشييع علي خامنئي.
أخبار متعلقة :