يناقش مقال كتبه صبحي قبلاوي في «نداء الوطن» مستقبل «الجماعة الإسلامية» في لبنان، على خلفية تباين داخلها بشأن العلاقة مع «محور الممانعة» ودور الدولة، وعودة مشروع «حزب الإصلاح والتنمية» إلى الواجهة بدفع من شخصيات في الجماعة، وسط اهتمام ومباركة تركية بحسب المعلومات المتداولة.
في 10 آذار 2024، وبعد سقوط ثلاثة من عناصر «قوات الفجر» التابعة لـ«الجماعة الإسلامية» في الغارة الإسرائيلية على الهبارية، أقامت الجماعة تشييعًا في بيروت انطلق من مسجد الإمام علي في طريق الجديدة. وأثار ظهور مسلحين ملثمين خلال التشييع امتعاض شريحة من أبناء المنطقة، وفتح نقاشًا أوسع حول موقع الجماعة وعلاقتها بمحور إيران و«حزب الله».
وبحسب المقال، لم يكن الاعتراض متعلقًا بفلسطين أو برفض الاحتلال الإسرائيلي، إذ بقيت القضية الفلسطينية ثابتة في الوجدان السنّي اللبناني. لكن الموقف من الحروب الإقليمية تغير بصورة كبيرة منذ 7 أيار 2008، ثم بعد الثورة السورية وتدخل «حزب الله» وإيران فيها، لتصبح قطاعات واسعة من البيئة السنّية أكثر ميلًا إلى الدولة والدبلوماسية وأقل استعدادًا للانخراط في حروب لم تجلب للبنان، خلال عقود، سوى مزيد من الخسائر.
في هذا السياق، يتنامى النقاش داخل «الجماعة الإسلامية» حول مستقبلها السياسي، ولا سيما فكرة الفصل بين العمل الدعوي والعمل السياسي، وإعادة تفعيل «حزب الإصلاح والتنمية». ويعود مشروع الحزب إلى تسعينيات القرن الماضي، فيما توجد وثيقة سياسية تعود إلى عام 1999، قبل أن يعود الاسم إلى الواجهة في مراحل لاحقة.
ويرتبط المشروع اليوم بصورة أساسية بشخصيات مثل الأمين العام السابق للجماعة عزام الأيوبي والنائب السابق عماد الحوت. ولا يبدو ما يجري مجرد خلاف تنظيمي، إذ يظهر اختلاف واضح في الرؤية السياسية؛ فقد حافظت قيادة الجماعة الحالية برئاسة محمد طقوش على موقع أكثر تقاطعًا مع «محور الممانعة»، بينما يدفع التيار الآخر باتجاه استقلالية أكبر عن هذا المحور، والتأكيد على دور الدولة وحصرية السلاح بيدها.
وتبرز تركيا عاملًا أساسيًا في فهم هذا التحول. فالتواصل معها ليس جديدًا، كما سبق لعزام الأيوبي أن تحدث عن أهمية الاستفادة من التجربة التركية. لكن المتغير، وفق المقال، هو أن المنطقة نفسها تغيرت؛ إذ تراجع النفوذ الإيراني في أكثر من ساحة، وأصبحت تركيا لاعبًا إقليميًا أكثر حضورًا، فيما تبدلت المعادلة السورية.
وبحسب المعلومات المتداولة حول المشروع، يحظى «الإصلاح والتنمية» باهتمام ومباركة تركية. وإذا تطور هذا الاهتمام إلى دعم سياسي واضح، فقد يشكل دفعًا كبيرًا للمشروع ويفتح الباب أمام تقاطع أوسع مع سوريا وقطر.
ولا يقتصر النموذج الذي يمكن أن تقدمه تركيا لهذا التيار، بحسب المقال، على مواجهة إيران، بل يقوم على صيغة مختلفة للإسلام السياسي، قوامها الدولة والمؤسسات والانتخابات والاقتصاد والتنمية، مع الابتعاد عن تحويل الساحات الداخلية إلى ساحات دائمة للصراعات الإقليمية.
وقد يجد هذا النموذج صدى لدى شريحة من السنّة اللبنانيين الراغبين في الحفاظ على موقفهم من فلسطين، مع السعي في الوقت نفسه إلى دولة قوية واقتصاد منتج وقرار لبناني مستقل في الحرب والسلم.
وعليه، فإن عودة «الإصلاح والتنمية» قد تكون أكبر من مجرد انشقاق داخل «الجماعة الإسلامية»، إذ ربما تمثل محاولة لإعادة تعريف الإسلام السياسي السنّي في لبنان، عبر الفصل بين الدعوة والسياسة وتحويل الحزب إلى إطار سياسي مستقل يخوض الانتخابات ويعمل داخل مؤسسات الدولة.
لكن نجاح المشروع لن يكون مضمونًا لمجرد الابتعاد عن إيران أو التقارب مع تركيا، إذ يحتاج الشارع السنّي إلى مشروع واضح في الاقتصاد والدولة والسلاح والعلاقة مع سوريا وفلسطين والعالم العربي. لذلك، لا يقتصر السؤال على هوية من خرج من «الجماعة الإسلامية»، بل يتصل بالوجهة التي يتجه إليها السنّة في لبنان. وإذا نجح «الإصلاح والتنمية» في تثبيت نفسه، فقد تكون البلاد أمام بداية انتقال جزء من الإسلام السياسي السنّي اللبناني من سياسة المحاور إلى سياسة الدولة.
أخبار متعلقة :