خبر

واشنطن تشدد شروطها تجاه لبنان: التنفيذ الفعلي لنزع سلاح حزب الله

تتجه واشنطن إلى اعتماد مقاربة جديدة تجاه لبنان تقوم على «الاشتراط والتحقق»، وسط تشكيك في مدى جدية بيروت وقدرتها الفعلية على نزع سلاح «حزب الله» وبسط سلطة الدولة، وفق ما كتبت أمل شموني في «نداء الوطن» بالتزامن مع انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.

ورغم خطاب الرئيس جوزاف عون بشأن بسط سلطة الدولة، ونشر الجيش، وإعادة الانتشار الإسرائيلي تدريجيًا، ترى مصادر في الإدارة الأميركية أن هذه التصريحات «تفتقر إلى المصداقية الكافية». وتطرح الأوساط السياسية الأميركية تساؤلات حول قدرة لبنان على فرض سيادته على «حزب الله»، أو ما إذا كان الأمر لا يتجاوز جولة جديدة من الاستعراض الدبلوماسي تتيح للحزب المدعوم من إيران إعادة تثبيت نفوذه.

وتعتبر واشنطن أن استعداد عون للحديث علنًا عن ثلاثة مقترحات رئيسية يمثل تحولًا ملحوظًا في الخطاب اللبناني، وهي السعي إلى اتفاق أمني مع إسرائيل، والاعتراف بتعارض وجود «حزب الله» مع سلطة الدولة، وتسمية الجيش سلطة شرعية في الجنوب. كما تشير إلى تصريحاته قبيل اجتماع باريس بشأن اتفاق أمني مع إسرائيل لإنهاء حالة العداء ونشر الجيش على الحدود، وصولًا إلى طرح فكرة اتفاق سلام مستقبلي.

وترى الولايات المتحدة أن هذا التحول مفيد استراتيجيًا، لكنها تشدد على أن المسألة الأساسية تكمن في التنفيذ الفعلي، أي قدرة الدولة على بسط سلطتها العسكرية الكاملة على الأرض. ووفق مصادر أميركية، جاءت «صيغة الإطار الثلاثي» لكسر حلقة الوعود غير المنفذة، باعتبار أن عناصرها مترابطة ضمن عملية انتقال أمني شاملة.

في المقابل، تصر إسرائيل على أن انسحابها سيكون مشروطًا بنزع سلاح «حزب الله» ومنع عودته العسكرية إلى الجنوب. ويرى دبلوماسيون أميركيون أن النهج اللبناني «يقدّم العربة على الحصان»، إذ يصور الانسحاب الإسرائيلي شرطًا مسبقًا لنشر الجيش ونزع سلاح الحزب.

وقال مسؤول أميركي إن الخلاف ليس شكليًا، موضحًا أنه رغم كون الجيش اللبناني نظريًا الركيزة الأساسية لحماية السيادة، فإنه «عمليًا مؤسسة مخترقة وتعتمد بشكل كبير على الدعم الدولي، ولا توجد مؤشرات فعلية حول استعداد الجيش لتنفيذ عمليات تفتيش أو مواجهة مباشرة مع حزب الله في الجنوب».

وتتمحور الشكوك الأميركية حول اعتماد الحكومة اللبنانية، رغم تأكيد عون ضرورة أن يكون الجيش السلطة في الجنوب، «خطابًا مبهمًا وتروّج لنزع السلاح من دون مواجهة مباشرة». وتخشى واشنطن من تحول العملية إلى مسألة سياسية تفاوضية طويلة الأمد، بدل أن تكون التزامًا أمنيًا واضحًا ونتائج قابلة للقياس.

ويبدو الموقف الإسرائيلي أكثر تشددًا من الموقف الأميركي؛ إذ تعتبر تل أبيب أن تصريحات عون «مفيدة لكنها غير كافية على الإطلاق». وتنقل مصادر أميركية قريبة من إسرائيل أن المسؤولية تقع بالكامل على لبنان لإثبات أن «حزب الله» لن يتمكن من نقل الأسلحة أو إعادة حشد عناصره في الجنوب بعد أي انتشار رمزي للجيش، وأن تقاعس لبنان سيمنح الحزب فرصة لتجاوز الضغوط الدبلوماسية.

بعد مؤتمر باريس

بعد مؤتمر باريس، رأت مصادر واشنطن أن تصريحات عون بشأن تنفيذ الاتفاقيات لا تتجاوز الإجراءات الشكلية، في ظل تعثر اتفاق حزيران واستمرار الخلاف على تنفيذه. وتتفق واشنطن وإسرائيل على الهدف النهائي، المتمثل في نزع سلاح «حزب الله» وانتشار الجيش واستقرار الحدود، بينما يتركز الخلاف بينهما على سرعة التنفيذ والضمانات العملية.

وتشير مصادر عسكرية أميركية إلى أن واشنطن اتجهت أخيرًا نحو تشدد أكبر، إذ وضعت القيادة المركزية الأميركية «سانتكوم»، بالتنسيق مع الجيش اللبناني، معايير جديدة تبدأ بجدول زمني مكتوب يربط بين إعادة انتشار القوات الإسرائيلية والعمليات الأمنية اللبنانية، وتشمل التحقق المستقل من مصادرة الأسلحة وتدمير البنية التحتية لـ«حزب الله».

ويؤكد دبلوماسيون أميركيون أن تقارب الخطاب اللبناني مع الإطار الأميركي خطوة مهمة، لكن واشنطن ترى أن نجاح لبنان لن يُقاس ببلاغة التصريحات، بل بقدرة الجيش على فرض سلطة الدولة فعليًا. وفي هذا السياق، يعتبر الأميركيون أن تأكيد عون أن نزع سلاح «حزب الله» «غير قابل للتفاوض» يمثل جرس إنذار لا مصدر طمأنينة، في ظل استمرار الازدواجية بين التصريحات الرسمية والواقع الميداني الذي يمنح الحزب نفوذًا فعليًا.

ومع اقتراب انتهاء ولاية قوة الأمم المتحدة الموقتة في لبنان «اليونيفيل»، تظهر واشنطن إصرارًا على عدم تكرار إخفاقات الماضي، بعدما لم تنجح القوة الدولية في إنهاء الوجود العسكري لـ«حزب الله» جنوب الليطاني رغم قرارات مجلس الأمن. وتسعى الولايات المتحدة لذلك إلى دمج أي قوة مستقبلية ضمن صيغة تضمن فعاليتها، وتمنع تحولها إلى بعثة مراقبة شكلية يسهل على الحزب تجاوزها أو ترهيبها.

وفي ضوء التحركات الدبلوماسية في نيويورك، تؤكد واشنطن أن دعم السيادة اللبنانية، وأمن إسرائيل، والانسحاب الإسرائيلي التدريجي، ووجود جيش لبناني قادر، وإعادة الإعمار، والتوصل إلى اتفاق سلام بين لبنان وإسرائيل، أهداف مترابطة لا يمكن تحقيقها مع تجاهل قضية سلاح «حزب الله» أو اعتبارها مسألة ثانوية قابلة للتأجيل.

وقال مصدر في الخارجية الأميركية لـ«نداء الوطن» إنه «لا يمكن للاتفاق الأمني بين لبنان وإسرائيل أن يكون مجرد ترتيب موقت يخفي فيه حزب الله أسلحته، ويغيّر تسمية وأهداف الأنفاق، وينتظر انحسار الضغوط الدولية». وأضاف أن السلام، من وجهة نظر واشنطن، «لن يبدأ حين توقع بيروت وتل أبيب وثيقة جديدة، بل سيبدأ عندما يفقد حزب الله استقلاليته العسكرية التي تمنحه سلطة تقرير مصير تلك الوثيقة، بقاءً أو زوالًا».

وبحسب الخلاصة التي أوردتها «نداء الوطن»، تتجه السياسة الأميركية تجاه لبنان إلى نهج واقعي قائم على «الاشتراط» و«التحقق»، إذ لن تحظى بيروت بثقة أو دعم فعلي من واشنطن ما لم تثبت، عبر إجراءات ملموسة وقابلة للتنفيذ، قدرتها على مواجهة استقلالية «حزب الله» العسكرية وفرض سلطة الدولة عمليًا.

أخبار متعلقة :