تعتبر باريس أن نتائج الاجتماع الذي عُقد الأسبوع الماضي لدعم الجيش اللبناني، وشهد مشاورات سياسية وعسكرية رفيعة المستوى، يجب أن تشكل دافعاً للتحضير للمؤتمر الدولي الموعود لدعم لبنان.
وتؤكد فرنسا أن دعمها للجيش اللبناني غير مشروط، لكنها تصر على ألا يقتصر المؤتمر المرتقب على توفير الدعم المالي والتجهيزي والتسليحي للجيش، بل أن يتناول أيضاً الإصلاحات الاقتصادية والمالية، بهدف واضح هو تعزيز السيادة اللبنانية في مختلف المجالات.
وبذلك، لا تريد باريس «تجزئة» الدعم للبنان، بل معالجة أوضاعه بصورة شاملة، بعدما كان الرئيس إيمانويل ماكرون يدفع في البداية نحو عقد مؤتمرين، أولهما لدعم الجيش والثاني لدعم الاقتصاد اللبناني.
ويقوم التصور الفرنسي الجديد على دمج المسارين، وربطهما بضرورة إقرار الدولة اللبنانية الإصلاحات المطلوبة منها منذ سنوات، بما في ذلك الإصلاحات المالية، مع إشارة خاصة إلى ما يُسمى قانون الفجوة المالية، المتنقل بين مجلسي الوزراء والنواب وصندوق النقد الدولي.
وتحذر باريس من أنه إذا كان اللبنانيون غير قادرين أو غير راغبين في تنفيذ هذه الإصلاحات، فإن الأطراف الخارجية لن تحل محلهم، لا في توفير الأمن، ولا في نزع سلاح «حزب الله»، ولا في إعادة المؤسسات اللبنانية إلى العمل. وترى أن تأخر الإصلاحات يجعل تنفيذها أكثر صعوبة، متسائلة عما إذا كان لبنان يريد أن يكون مجرد «غسالة» للمال «الوسخ»، أم يطمح إلى العودة للانتظام المالي العادي.
وينظر الجانب الفرنسي إلى العرض الذي قدمه الرئيس جوزاف عون وقائد الجيش بشأن الوضع اللبناني واحتياجات البلاد، ولا سيما ما يتعلق بالجيش والقوى الأمنية، على أنه كان «مقنعاً». وأكدت الأطراف المشاركة في الاجتماع استعدادها لتقديم الدعم والانخراط في مساعدة لبنان، بما في ذلك الولايات المتحدة التي شاركت بوفد عسكري ـ دبلوماسي رفيع المستوى.
لكن فرنسا ترى أن الخطة اللبنانية لا تزال بحاجة إلى «مزيد من العمل» والبلورة، وتحث لبنان على أن يوضح «بوضوح ودقة» توقعاته وما يريده تحديداً من فرنسا والدول الشريكة. كما تدعو السلطات اللبنانية إلى الإفصاح عما تنوي القيام به على الصعيد الأمني، وبشأن انتشار الجيش بموجب القرار 1701، وما تريده وتقبله «بديلاً» عن قوة «اليونيفيل».
ويرغب لبنان في تمديد مهمة القوة الدولية الحالية لفترة تتراوح بين ستة أشهر وسنة، علماً بأن انتدابها ينتهي نهاية العام الجاري. إلا أن واشنطن، بدفع من تل أبيب، ترفض التمديد، كما ترفض حتى الآن مقترح تشكيل قوة متعددة الجنسيات أو قوة «يونيفيل 2» تحت علم الأمم المتحدة وبانتداب منها لتحل محل القوة الحالية. وتدفع الولايات المتحدة لأن تتولى اللجنة العسكرية الثلاثية، المؤلفة من الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل، مهمات «اليونيفيل»، وهو ما يرفضه لبنان حتى اليوم.
وسيكون ملف «اليونيفيل» موضع تشاور في نيويورك، ضمن إطار الأمم المتحدة، وكذلك خلال الاجتماعات التي سيعقدها رئيس الوزراء نواف سلام في واشنطن، وفي مقدمها اجتماعه مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو.
وقالت باريس إن الوفد الفرنسي برئاسة إيمانويل ماكرون، الذي وصل إلى نيويورك للمشاركة في أعمال الجمعية العامة، سيكون سنداً للبنان في موضوع القوة البديلة. وتعمل فرنسا منذ عدة أشهر مع روما على فكرة تشكيل قوة متعددة الجنسيات في حال تعذر إنشاء قوة «يونيفيل 2».
وبالتوازي، يجري الاتحاد الأوروبي مشاورات داخلية بشأن «مهمة» هدفها توفير الدعم للجيش اللبناني عبر التدريب والتجهيز والتمويل والمواكبة والدعم الاستخباري، وهي مهمة منفصلة عن ملف البديل من «اليونيفيل». وقالت مسؤولة السياسة الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، عقب اجتماع لوزراء دفاع الاتحاد أخيراً، إن عشر دول أوروبية مستعدة للمساهمة في هذه «المهمة».
وبحسب الخارجية الفرنسية، يدرس الاتحاد الأوروبي إمكانية استفادة لبنان، بالتوازي، من «الصندوق من أجل السلام»، الذي تُقدَّم من خلاله المساعدات الأوروبية المالية إلى أوكرانيا. وتكمن أهمية ذلك للبنان وأصدقائه وشركائه في منع حدوث فراغ أمني في الجنوب بعد رحيل القوة الدولية، بما يعنيه ذلك من غياب جهة تراقب الحدود وتسعى إلى منع التعديات. وتتمثل حجة واشنطن وتل أبيب في أن القوة الدولية «لم تقم بمهماتها»، ولذلك يجب البحث عن بديل لها.
وتدرك فرنسا أن المطلوب من الجيش اللبناني جمع سلاح «حزب الله»، كما تدرك أن الجيش لن يدخل في معارك مع الحزب، وهو ما أشار إليه الرئيس جوزيف عون وشدد عليه في كلمته أمام المؤتمرين. وفي هذه المسألة، وكذلك في ما يتعلق بانتشار الجيش، تدعو باريس إلى التحلي بـ«الواقعية» لتحقيق الهدفين.
وفي ظل الضغوط الأميركية والإسرائيلية الشديدة على لبنان بشأن نزع السلاح، ترى باريس ضرورة العمل على مسارين: أولهما «تليين» المطالب الأميركية ـ الإسرائيلية، وثانيهما أن يقدم لبنان خطة ذات صدقية لإعادة الانتشار ونزع سلاح «حزب الله»، وأن يكون مستعداً لتنفيذها.
وتدرك باريس أيضاً الصعوبات التي يواجهها لبنان بشأن «المناطق التجريبية»، التي ترفض إسرائيل المضي فيها بحجة أنها «غير مقتنعة» بأداء الجيش اللبناني وبنجاحه في «تنظيفها» من سلاح «حزب الله». كما تعرف أن واشنطن وتل أبيب تطلبان من لبنان مبادرات وخطوات لا يستطيع القيام بها، فيما تتذرع إسرائيل بعدم نزع سلاح «حزب الله» لتبرير رفضها الانسحاب من الأراضي اللبنانية التي تحتلها.
في المقابل، يرفض «حزب الله» تسليم سلاحه ما دامت إسرائيل تحتل أراضي لبنانية، ما يبقي الوضع في دائرة مفرغة. وبأي حال، تتمثل الرسالة التي تريد باريس إيصالها إلى المسؤولين اللبنانيين في أنه لا يمكنهم التعويل على دور خارجي لقوات أوروبية أو غير أوروبية لنزع سلاح «حزب الله»، بل عليهم القيام بذلك بأنفسهم.
وكتب ميشال أبو نجم في «الشرق الأوسط» أن هذا الطرح يأتي في إطار المساعي الفرنسية للتحضير للمؤتمر الدولي الموعود لدعم لبنان.
أخبار متعلقة :