خبر

هل تنجح واشنطن في إنقاذ “الاتفاق الإطاري”؟

كتب زياد سامي عيتاني في اللواء:

تتجه الأنظار مع الدخول في النصف الثاني من شهر تشرين الأول الجاري نحو الولايات المتحدة الأميركية، حيث تسعى إدارة البيت الأبيض بالتنسيق مع القنوات العسكرية والدبلوماسية إلى عقد الجولة الثامنة من المفاوضات على المستوى العسكري والأمني بين لبنان وإسرائيل، برعاية أميركية مباشرة. وتكتسب هذه الجولة المرتقبة أهمية استثنائية بالغة، ليس فقط للحجم الحساس للملفات المطروحة على طاولة البحث، بل أيضاً لتوقيتها السياسي الحرج الذي تسبق بأسبوع واحد فقط موعد انتخابات الكنيست الإسرائيلي المقررة في 27 الشهر الحالي.

تأتي هذه المحاولة الأميركية الحثيثة في لحظة إقليمية وميدانية شديدة التعقيد، وتحديداً عقب الزيارة المفصلية التي قام بها رئيس الحكومة نواف سلام إلى العاصمة واشنطن واجتماعه الحاسم في مقر وزارة الخارجية مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو؛ إذ تحاول واشنطن إعادة ترميم «الاتفاق الإطاري» الثلاثي وتثبيت ركائزه الهشة، في ظل موجة متصاعدة من الضغوط الميدانية، واستمرار الخروقات والغارات الجوية التي تهدّد بنسف كامل مسار التهدئة وتداعي الترتيبات الأمنية المستهدفة في الجنوب اللبناني.

• محطة واشنطن.. «معادلة سلام» والتأسيس الإجرائي للجولة المرتقبة

شكلت محادثات رئيس الحكومة نواف سلام مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو نقطة تحوّل عملية في طريقة تعاطي الدولة اللبنانية مع ملف «الإطار الثلاثي»، حيث أسست هذه الزيارة للجدول الأعمال التفاوضي المطروح على طاولة الجولة العسكرية المرتقبة. وعلى العكس من المحطات الدبلوماسية السابقة، نقل سلام الملف من خانة المبادئ العامة والتوافقات النظرية إلى خانة «المعادلة التنفيذية» عبر مفهومين رئيسيين:

• التبادلية الشاملة: رفض إخضاع لبنان لالتزامات أحادية الجانب تُنفذ تحت النار وضغط العمليات العسكرية المستمرة؛ حيث يقتضي كل إجراء أمني أو سيادي تُقدم عليه الدولة اللبنانية خطوة انسحاب إسرائيلية موازية، محددة النطاق الجغرافي والإطار الزمني.علاقات إسرائيل

• المرحلية المقيسة: تفكيك عناصر الاتفاق المعقّدة وتوزيعها على محطات إجرائية متدرجة قابلة للقياس والتقييم الفعلي، بدلاً من المطالبة بتنفيذ كامل وفوري لملفات معقدة تتطلب تهيئة الظروف الميدانية والأمنية المناسبة.

ومن خلال هذه المعادلة، ثبتت بيروت موقفاً سيادياً جوهرياً يفرق بدقة بين رفض تنفيذ الالتزامات الوطنية المتعلقة بحصرية السلاح وبسط السلطة، وبين رفض تنفيذها بصورة فردية وبمعزل عن جدول انسحاب إسرائيلي كامل وشامل من النقاط والأراضي المحتلة.

• ترتيبات الاجتماع (المكان والمسار الدبلوماسي)

عكست ترتيبات عقد الجولة الثامنة من المفاوضات العسكرية حجم التجاذبات السياسية والتعقيدات اللوجستية المحيطة بها، والتي جرى تدوير زواياها في محادثات واشنطن الأخيرة:

• المقر المرجح للمباحثات (فلوريدا مقابل واشنطن): تفيد معطيات رسمية ومصادر دبلوماسية مطلعة بأن مقر القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) في مدينة تامبا بولاية فلوريدا يقع في صدارة المواقع المرجحة لاستضافة هذه الجولة المغلقة من المباحثات العسكرية المباشرة بمشاركة الوفدين اللبناني والإسرائيلي. ورغم أرجحية خيار فلوريدا لطبيعة الطابع العسكري والأمني للقيادة المركزية، فإن خيار عقد الاجتماع في العاصمة واشنطن لا يزال حاضراً كبديل مطروح على طاولة الترتيبات الدبلوماسية، حيث لم يُعلن عن الحسم النهائي لمكان الاجتماع بعد بشكل رسمي.

• التوقيت السياسي والمساعي الأميركية: تواصل الخارجية الأميركية بالتنسيق مع مجلس الأمن القومي اتصالات مكثفة مع الجانبين اللبناني والإسرائيلي لتثبيت الموعد النهائي في العشرين من هذا الشهر. وتهدف واشنطن من خلال هذا التوقيت إلى تحقيق إنجاز ملموس على صعيد التهدئة الحدودية يقدم مكسباً دبلوماسياً للطرف الأميركي ويحيد الورقة الأمنية عن التجاذبات الانتخابية الحادة في إسرائيل.

• خلفيات تأجيل جولة روما واللقاء التمهيدي: كشفت المصادر ذاتها أن الجولة الموسعة التي كان مزمَعاً عقدها في العاصمة الإيطالية روما قد تعرّضت للتأجيل، نتيجة تعارض المواعيد مع أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة ومؤتمر باريس لدعم الجيش اللبناني. وكان قد سبق ذلك اجتماع بعيد عن الأضواء عُقد في واشنطن منتصف شهر أيلول الماضي جمع السفيرة اللبنانية لدى الولايات المتحدة ندى حمادة معوض والسفير الإسرائيلي يحيئيل لايتر لاستكشاف مواقف الأطراف وتحديد نقاط التماس قبيل الانتقال إلى الطاولة العسكرية.

• عقود التفاوض المفصلية والأجندة المطروحة

تتحرك الجولة الثامنة المقررة تحت مظلة المخرجات التي ناقشها الرئيس سلام مع وزير الخارجية ماركو روبيو، وتترافق مع حزمة من الملفات الاستراتيجية:

• آلية التحقق الموثوقة والجدول الزمني: تمثل هذه النقطة العقدة الأكثر خطورة وحساسية إجرائياً؛ حيث ركز الطرح اللبناني أمام واشنطن على وجوب تضمين الاتفاق غرفة تدقيق ومتابعة بمشاركة دولية وأميركية فاعلة لتفادي التأويل والسجال الدائم، مع فرض جدول زمني إلزامي مؤرخ ومحدد بالخرائط، وتقييم موضوعي للخروقات لسحب الذرائع الميدانية التي تُستخدم لتجميد الاتفاق أو إعادة التصعيد.

• الجيش اللبناني والترتيبات البديلة لـ «اليونيفيل»: عكست محادثات سلام وروبيو توافقاً على أن دعم الجيش وتعزيز قدراته التشغيلية والقتالية يمثل شرطاً تنفيذياً يقع في صلب النجاح السياسي للتسوية برمتها، لتمكينه من الانتشار على كامل الشريط الحدودي. وتتوازى هذه الرؤية مع بحث الصيغ التنفيذية والآليات الأمنية المقترحة لمرحلة ما بعد تغيير مهام أو تقليص القوات الدولية (اليونيفيل) في الجنوب.

• التلازم بين الانتشار والانسحاب لكبح التوسع: التمسّك اللبناني الصارم بالربط المباشر والتزامن الدقيق بين خطوات انتشار وحدات الجيش اللبناني وبين الانسحاب الإسرائيلي الكامل، لمواجهة محاولات تل أبيب فرض أمر واقع ميداني عبر تمسّكها بمفهوم «المنطقة الأمنية» واشتراطها حصر خطوات انسحابها المعروضة بمناطق جغرافية ضيقة وجزئية (مثل أجزاء محددة من بلدات جنوبية كزوطر الغربية).

• اختبار الميدان

إن القيمة الفعلية لمخرجات اجتماع سلام وروبيو والجولة العسكرية المرتقبة في فلوريدا أو واشنطن لن تقاس بالبيانات الصحفية، بل ستخضع لاختبارات ميدانية حاسمة خلال المرحلة القادمة؛ تتلخص في مدى القدرة على صياغة جدول زمني يبدأ بوقف الضربات وتثبيت مراحل الانسحاب الإسرائيلي، وترجمة التعهدات الأميركية بدعم الجيش اللبناني إلى قدرات وتجهيزات نوعية تمكنه من فرض السلطة السيادية، فضلاً عن تفعيل آلية مراقبة دولية تمنع ارتهان الاتفاق للتفسيرات الأحادية.

تضع الجولة الثامنة كافة الأطراف أمام مفترق طرق حاسم؛ فإما أن تنجح واشنطن في فرض هيبة «معادلة السلام التنفيذية» وانتزاع التزامات متزامنة بوقف الخروقات والانسحاب المتبادل قبل الاستحقاق الانتخابي الإسرائيلي، وإما أن تطيح التطورات الميدانية المتفجرة وعقدة الأسبقية بالمسار التفاوضي برمتها، ليبقى الجنوب اللبناني مفتوحاً على جميع الاحتمالات.

أخبار متعلقة :