كتب داود رمال في “نداء الوطن”:
شكل الإعلان عن إصابة البابا لاوون الرابع عشر وهو رأس الكنيسة الكاثوليكية بسرطان الرئة صدمة تجاوزت أسوار الفاتيكان إلى العالم، في لحظة لم تكن قد مضت فيها سوى سنتين على انتخابه، وسط آمال كبيرة بأن يقود الكنيسة لسنوات طويلة ويطلق مشاريع إصلاحية وإدارية واسعة. وعلى الرغم من نجاح العملية الجراحية التي خضع لها في مستشفى جيميلي في روما، فإن تأكيد التشخيص فتح الباب أمام مرحلة جديدة من التساؤلات حول صحته ومستقبل حبريته وقدرته على مواصلة برنامجه.
بدأت القصة عندما كشف البابا، خلال صلاة التبشير الملائكي الأحد الماضي، أن الفحوص الطبية أظهرت وجود عقدة صغيرة وموضعية في إحدى رئتيه، تقرر استئصالها بناءً على توصية الأطباء. لكن المفاجأة الأكبر جاءت بعد العملية، حين أكدت الفحوص النسيجية وجود سرطان غدي رئوي، ما نقل المسألة من إطار تدخل جراحي احترازي إلى تحدّ صحي أكثر جدية. وأُعلنت العملية ناجحة ومن دون مضاعفات، في حين دخل الحبر الأعظم مرحلة التعافي والمراقبة الطبية.
ولم يكن لافتًا مضمون الإعلان وحده، بل الطريقة التي اختارها لاطلاع المؤمنين والرأي العام على وضعه الصحي. فقد تحدث البابا بنفسه خلال ظهوره الأسبوعي أمام الحشود، في خطوة أعادت إلى الأذهان النهج الذي اتبعه البابا يوحنا بولس الثاني، الذي حرص، خلال مراحل من مرضه، على إبقاء الجمهور على اطلاع بتطورات وضعه الصحي. وتحمل هذه المقاربة دلالة تتجاوز الشفافية الإعلامية، إذ تعكس إدراكًا متزايدًا بأن صحة البابا لم تعد شأنًا داخليًا يخص المؤسسة الكنسية وحدها، بل مسألة تهم ملايين المؤمنين وتؤثر في صورة القيادة الروحية للعالم الكاثوليكي.
أما الصراحة في الحديث عن المرض، فقد أحدثت وقعًا مفاجئًا لدى الجمهور، الذي اعتاد رؤية البابا في موقع القيادة والحركة واستقبال الوفود. ومع ذلك، فإن التقديرات الطبية لا تسمح حتى الآن باستخلاص نتائج حاسمة بشأن المدى الزمني المتوقع لحياته. فمعدلات البقاء على قيد الحياة لخمس سنوات تختلف باختلاف نوع الورم ومرحلته ومدى انتشاره والاستجابة للعلاج. كما أن نجاح الجراحة لا يكفي وحده لتحديد المآل النهائي، في انتظار استكمال الفحوص وتوضيح الحاجة إلى علاجات إضافية. ولا يشكل عدم التدخين أو اتباع نمط حياة نشط ضمانة مطلقة ضد سرطان الرئة، إذ يمكن أن يصيب المرض غير المدخنين أيضًا والبابا منهم. وبين الحسابات الطبية والإيمان، تبقى صحة البابا مسألة لا يمكن اختزالها في توقعات رقمية أو استنتاجات مسبقة.
في المقابل، تضع الإصابة الفاتيكان أمام تحديات عملية حساسة. فالبابا لا يزال في بداية حبريته، ولديه مشاريع كبرى يريد إنجازها، واهتمامات دولية باشرها، فضلا عن تعيينات ومسؤوليات داخل الكوريا الرومانية، تتطلب وقتًا وجهدًا ومتابعة مباشرة. وكان صغر سنه النسبي عند انتخابه أحد العوامل التي عززت التوقعات بإمكان استمراره على رأس الكنيسة لسنوات طويلة، وربما عقدين، لكن التطورات الصحية تفرض إعادة تقييم هذه التوقعات على ضوء مسار التعافي، لا على أساس افتراضات متسرعة.
ومن المرجح أن تفرض النقاهة تعديلات على وتيرة اللقاءات اليومية والاستقبالات والالتزامات الرسمية، فيما تبقى الرحلات الرسولية الخارجية موضع تساؤل، ولا سيما الجولة المقررة إلى الأوروغواي والأرجنتين والبيرو. وتحمل هذه الأخيرة أهمية خاصة بالنظر إلى ارتباط البابا بالبيرو، حيث أمضى سنوات طويلة في الخدمة الكنسية. كما تبرز أسئلة بشأن توقيت تعيين كرادلة جدد وتوزيع المسؤوليات داخل المؤسسة، والأسماء التي قد تتقدم إلى مواقع مؤثرة، ومنها المونسنيور بول غالاغر، من دون أن يعني ذلك وجود قرار معلن في هذا الاتجاه.
ولا تكمن أهمية هذه الأزمة في التشخيص الطبي وحده، بل في انعكاساته المحتملة على إدارة الكنيسة وأولوياتها وحضور البابا الدولي. وبين نجاح العملية والحاجة إلى استكمال التقييم الطبي، ستظل الأسئلة مفتوحة، فيما يتوقف كثير من الإجابات على تطور صحة لاوون الرابع عشر وقدرته على استعادة نشاطه. إنها مرحلة اختبار للبابا وللمؤسسة التي يقودها، حيث يتقدم التعافي على كل الحسابات، وتبقى القرارات الكبرى رهنًا بما ستكشفه الأيام المقبلة.
أخبار متعلقة :