من يملك المفتاح؟

من يملك المفتاح؟
من يملك المفتاح؟

نبيل هيثم – الجمهورية

 

 

إنتشال الحكومة الجديدة من مغارة تعطيلها، ليس بالأمر اليسير او السهل في الوقت الراهن، لا بل هو مُستعص خصوصاً انّ باب هذه المغارة محكم الإقفال من الداخل والخارج، كما يؤكد اكثر من مسؤول معني بملف التأليف.
أمام هذه الصورة المقفلة، يصعب التكهن حول المدى الزمني لهذا الاقفال، كما يصعب تقدير ماهية «كلمة السر» أو «الكلمة السحرية» لفتح باب المغارة، وبالتالي الافراج عن الحكومة. إنما السؤال الذي يشغل الداخل بكل صالوناته: من يملك مفتاح الحل؟ ومن هي الجهة الداخلية او الخارجية التي تلفّ حبل التعطيل على عنق التأليف؟

في الداخل يبدو الجميع بريئين من دم التعطيل، وصار مملّاً القول انّ حركة التأليف ما زالت ضمن فترة السماح الطبيعية التي يتطلبها تأليف الحكومات في لبنان. كان يمكن لهذا القول ان يكون مقنعاً فيما لو كان هناك نذر حراك جدي في اتجاه وضع التأليف على السكة، لكن في ظل الاسترخاء الحاصل الذي يشبه في أحسن الاحوال عدم الاكتراث الذي ذهب اليه «أهل التأليف» منذ تكليف الرئيس سعد الحريري في الخامس والعشرين من الشهر الماضي، يصبح الحديث عن فترة السماح موضع شك، وتصبح الريبة واجبة من هذا الجمود، او التجميد المتعمّد لحركة التأليف.

ما يحكى عن أسباب تعطيلية داخلية، يبدو مرتبطاً بالبازار الذي سبق وفتح فور صدور نتائج الانتخابات النيابية، اي ما قبل تكليف الحريري تشكيل الحكومة، والشروط المتضاربة التي طرحت على مائدة الجبنة الحكومية، من قبل قوى سياسية وجدت في فوزها في الانتخابات، فرصة لنفخ حجمها الى حدّ ألغت فيه أحجام قوى سياسية اخرى لها وزنها وحضورها السياسي والنيابي، جاعلة من مسار التأليف لعبة مزاد علني حول الحقائب السيادية والخدماتية لمصلحتها هي فقط!

وامّا الاسباب التعطيلية الخارجية فمجهولة المصدر، والواضح انّ ثمة ارباكاً، او بالأحرى حذراً شديداً لدى كثير من السياسيين في توجيه الاصابع الى جهة التعطيل او تسمية الجهة المعطلة باسمها، او تحديد سبب مقنع ولو كان افتراضياً، تستند اليه «الجهة الخارجية المجهولة» لتعطيل التأليف.

وعلى ما يقول احد المسؤولين: «لا نلمس حماسة غربيّة تشجّع اللبنانيين على تشكيل حكومتهم، على غرار ما كان يحصل مع تشكيل الحكومات السابقة، ما زال بعض السفراء الغربيين ينصحون بالتروّي في تشكيل الحكومة الجديدة، لا نعلم ما اذا كانت هذه النصيحة بالتريّث تعني عدم التعجيل او عدم التسرّع».

ولكن في المقابل، يضيف المسؤول المذكور: «ثمة تقاطع آراء الشريحة الواسعة من السياسيين مقرونة ببعض المعطيات، حول فرضية انّ مفتاح الحكومة موجود في إحدى العواصم العربية. امّا العثور عليه فينتظر حصول «لقاء ما» مع «جهة ما» في «مكان ما»، والمشكلة الكبرى إذا ما طال انتظار حصول هذا الـ»لقاء ما» الذي سيحدد المسار الذي سيسلكه التأليف، امّا في اتجاه التسهيل والتعجيل في توليد الحكومة وامّا في اتجاه التعطيل مع ما يترتّب على ذلك من مفاعيل سلبية في شتى المجالات الداخلية.

على انّ اللافت في موازاة جمود حركة التأليف، حركة استفسارات داخلية غير منظورة حول مستقبل التأليف؛ يكشف مطلعون على أسرار بعض الديوانيات السياسية بعضاً منها:

• انّ مسؤولين كباراً في الدولة سألوا الاميركيين، فجاءهم جواب ان لا توجد «موانع اميركية» من اي نوع، حول تأليف الحكومة، ولا حول تركيبتها».

• انّ مسؤولين استفسروا بعض السفراء الاجانب، والجواب الذي تلقّاه هؤلاء، جاء من شقّين: الشق الاول بصورة ايجابية لناحية انّ تشكيل لبنان لحكومته هو شأنه ولا نتدخل فيه، وبالتالي نفي وجود اي تحفظات اعتراضية او اي رأي او شرط غربي او اوروبي في تشكيل الحكومة او تركيبتها. امّا الشق الثاني فجاء قاسياً بالمعنى السياسي لناحية التأكيد أنّ لبنان بكل ما فيه حالياً هو خارج قاموس اولويات هذه الدول. احد السفراء مازَح احد المسؤولين بقوله: نحن مهتمّون اليوم بمتابعة المونديال!

• انّ بعض المستويات السياسية استفسرت بعض العرب في الخليج وغيره، فأُبلغت بما مفاده «ألّفوا حكومتكم ولا دخل لنا».

• بعض زوّار العواصم العربية الكبرى، لمسوا شعوراً بالاستياء من تعمّد بعض اللبنانيين اختراع سيناريوهات وهمية، والاصرار على إلقاء مسؤولية تأخير حكومتهم على غيرهم. كمثل القول مثلاً انّ تأليف الحكومة في لبنان مرتبط بانتظار حسم معركة «جارية حالياً» في المنطقة لمصلحة جهة عربية معيّنة، فما علاقة هذا بذاك؟

• انّ «إشارات» تلقّتها بعض الجهات السياسية، من احدى العواصم العربية، تعكس انزعاجاً شديداً من الايحاءات التي رافقت الاشتباك السياسي الاخير بين التيار الوطني الحر والحزب التقدمي الاشتراكي، والتي حاولت التركيز على توقيت هذا الاشتباك وتزامنه بعد عودة النائب وليد جنبلاط من السعودية، للإيحاء وكأنّ للملكة دوراً في هذا الاشتباك.

على خط التأليف تبرز ابتسامات عريضة متبادلة، وعبارات إطراء متبادلة ايضاً ومبالغ فيها من قبل أهل الحكومة. وامّا في أورقة التأليف فإقرار بالتأخير، والتعطيل، وكلام كثير، وكله لا يبرّر التأخير، بل تغلب عليه النظرة التشاؤمية. وبالتأكيد في هذه الحالة، انّ خيوط الحيرة الداخلية تتبدّد في اللحظة التي تشتغل فيها محركات الرئيس المكلف نحو تأليف حكومة بات معلوماً مسبقاً انها لن تقدّم المن والسلوى للبنانيين.

وعلى ما يقول مسؤول كبير: ليس المهم النيّة، ولا الكلام الجميل، بل الأهم هو اتخاذ القرار، ويجب ألّا يفاجأ من يجب ان يتخذ القرار بما هو حاصل في هذه اللحظة الحكومية، وخصوصاً لناحية انّ علامات التشكيك تحوم حول التأليف، وما يخشى منه هو ان يكون ذلك انعكاساً لانعدام ثقة الناس بالوعود والاقوال، بل صارت تنتظر المطلوب.

المسألة، في رأي المسؤول المذكور لم تنته بعد، وثمّة عنصر يمكن البناء عليه للوصول الى تأليف سريع للحكومة. وهو انّ الحريري أكد لسائر الرؤساء، كما لمسؤولين آخرين في الدولة، انه مستعجل وسيفاجىء الجميع بحكومة في أقرب وقت ممكن. امّا ماذا سيفعل الحريري وكيف سيتحرك لترجمة وعده على خط التأليف؟ فهذا ما ستكشفه الايام القليلة المقبلة، والتي يفترض أن ينجلي فيها الغبار السياسي وتنقشع رؤية ما اذا كانت طريق الحكومة سالكة وآمنة، او ما اذا كانت مقفلة تضيّع على البلد وقتاً إضافياً، وتفرض عليه المزيد من الانتظار!

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى