خبر

الجماعة تراوغ العقوبات بـ”الحزب”

كتب سامر زريق في “نداء الوطن”:

يعكس تعامل “الجماعة الإسلامية” البارد مع تصنيفها من قبل أميركا كـ “منظمة إرهابية”، بالإضافة إلى فرض عقوبات على أمينها العام محمد طقوش، وجود حالة من الإرباك على الصعيد الداخلي للتنظيم، وتكلّس على صعيد تجديد الأفكار والطروحات. صحيح أنه لم يكن لديها الكثير من الأدوات لمواجهة هذا الاختبار الصعب، إلا أن الصحيح أكثر أنها لم تتعامل مع المسألة بجدية تتناسب وحجم خطورة القرار ومآلاته، رغم إدراكها أبعاد التصنيف.

كان من المفترض أن يشكل توقيع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أواخر تشرين الثاني الماضي، أمرًا تنفيذيًا لتصنيف أفرع “الإخوان المسلمين” في الأردن ومصر ولبنان على لوائح الإرهاب، عاملًا محفزًا لإجراء تغييرات هيكلية واستراتيجية داخل الهرم التنظيمي لـ “الجماعة”، بغية إظهار ديناميات عمل جديدة تتصل بضرورة تبني خطاب سياسي يمكنه الانسجام مع التحولات الكبرى في المنطقة، ولا سيما في ظل وجود نقاشات داخلية تصب في هذا المنحى انطلقت عقب اتضاح نتائج الحرب الطاحنة على “حزب الله” و”حماس”.

غير أن التعقيدات التي ما برحت تفرض نفسها على آليات عمل “الجماعة” نتيجة استلاب قرارها ما بين التنظيمين المذكورين، بالتوازي مع الحالة المأزومة لتنظيم “الإخوان المسلمين” دوليًا، دفعتها إلى اتخاذ تموضع ملتبس لا فائدة تُرجى منه، حيث بدت من خلال بيانها وكأنها تصر على البقاء قريبة من الفضاء السياسي لـ “محور الممانعة” المتهالك، والذي يوشك على الانفراط، بل وحتى الزوال، فضلًا عن مفردات الخطاب الكلاسيكية المقعّرة، والتلطي خلف نظرية “المؤامرة” الأثيرة، والتي إن كان يمكنها كسب بعض العطف، إلا أنها تشكل علامة فقر وضعف.

تقول “الجماعة” في بيانها إنه لا يترتب على القرار الأميركي “أي أثر قانوني داخل لبنان”. في حين أنها تدرك مدى الصعوبات التي ستجبهها على صعيد التعامل مع النظام المصرفي لتنفيذ معاملات وتحويلات ترتبط برواتب شبكة الموظفين في مؤسساتها التربوية والصحية المنتشرة في مناطق الكثافة السنية. ناهيكم عن الأثر السياسي للقرار من ناحية التحالفات الانتخابية والسياسية. فأي شخصية أو جهة سياسية ستراجع حساباتها كثيرًا قبل الإقدام على التحالف مع جماعة تصنفها أميركا على لوائح الإرهاب، في الوقت الذي ترسي فيه الأخيرة قواعد سياسية أكثر حدة وقسوة لإحكام قبضتها على النظام الدولي.

واقع الأمر أن “الجماعة” تتعرض لاختبار وجودي لم تخبر مثيلًا له في السابق. ليس تفصيلًا أبدًا وضع أمينها العام على لوائح العقوبات الأميركية، في خطوة تضعه على قدم المساواة مع قيادات “حزب الله” وعتاة الإرهاب في المنطقة، بينما دأبت على تقديم نفسها تاريخيًا كتنظيم إسلامي معتدل. جلّ ما خرجت به، حسبما تشير المعلومات، هو محاولة مرواغة التصنيف والعقوبات عبر تفعيل الحزب السياسي، الذي حصلت على ترخيص رسمي له عام 2006 تحت مسمى “حركة الإصلاح والتنمية”، والفصل بين “الجماعة” كحركة دعوية وبين “الحزب” كتنظيم سياسي. على أن يتم إلحاق شبكة المؤسسات بـ “الحزب” لإنقاذ رواتب الموظفين من مقصلة العقوبات.

عمومًا، فإن النقاش حيال الفصل بين العملَين الدعوي التقليدي والسياسي قديم. عام 2022، خاض أمين عام “الجماعة” السابق عزام الأيوبي الانتخابات النيابية برفقة الدكتور محمود السيد ضمن “دائرة الشمال الثانية” تحت مسمى “الإصلاح والتنمية”. وكان الأيوبي والتيار الذي يمثله داخل التنظيم يحاولان الدفع باتجاه اعتماد هذه الخطوة بقرار رسمي، إلا أنه جرت الإطاحة به عبر انقلاب قاده تفاهم منسَّق بين “حماس” و”حزب الله” ليجمد النقاش تمامًا. إلى أن فرض إيقاع العقوبات الأميركية عودته بموازاة ضغوطات داخلية لاعتماد خيار الفصل كحل إنقاذي متاح.

ومع ذلك، لا يعدو هذا القرار، الذي لم يصر إلى اتخاذه رسميًا بعد، سوى إجراء غير موثوق ما دام أنه لم يرفد بخطوات جوهرية تثبت تغيير دفة التنظيم أيًا كان اسمه لإنقاذه من هذه المحنة الوجودية، إذ ما من ضمانة أن أميركا لن تقدم على تصنيف الحزب السياسي على لوائح الإرهاب أيضًا. النقطة الأساس التي يجب أخذها بالاعتبار لدى صناع القرار في معنى العقوبات هي أن “الجماعة” صارت تحت المجهر الأميركي في مرحلة تقود فيها واشنطن عملية قيصرية لإجراء تغييرات كبرى بلا رحمة.

أخبار متعلقة :