خبر

اتفاق الإطار الثلاثي: فرصة نادرة للبنان وانتكاسة استراتيجية لـ”الحزب”

كتبت أمل شموني في نداء الوطن:

يمثل توقيع اتفاق “الإطار الثلاثي” بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة نقطة تحول في دبلوماسية الشرق الأوسط، وتحدياً مباشراً لسلطة “حزب الله”. وقد أعلن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو هذا الاتفاق في واشنطن بحضور السفيرين اللبناني والإسرائيلي، فيما أشاد به المسؤولون الأميركيون باعتباره الخطوة الحقيقية الأولى نحو إنهاء عقود من الحرب، واستعادة السيادة اللبنانية، وتهيئة الظروف لسلام دائم.

اتفاق جريء… ومقترن بشروط

في جوهره، ينص الاتفاق على عملية متبادلة ومرحلية: تتولى الحكومة اللبنانية وقواتها المسلحة تدريجياً السيطرة الأمنية الكاملة على كامل الأراضي اللبنانية، ولكن فقط بعد التحقق من نزع سلاح جميع الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، وهي إشارة واضحة لا لبس فيها إلى “حزب الله” وبنيته التحتية العسكرية. وفي المقابل، ستعيد إسرائيل انتشار قواتها تدريجياً للانسحاب من الأراضي اللبنانية، وستلتزم الولايات المتحدة بتخصيص موارد كبيرة، تشمل مساعدات إنسانية فورية بقيمة 100 مليون دولار وأكثر من 30 مليون دولار كدعم عسكري مباشر للجيش اللبناني.

يضع اتفاق الإطار خريطة طريق مفصلة، إذ ستشهد “مناطق تجريبية” أولية تولي الجيش اللبناني المسؤولية الأمنية الحصرية بمجرد نزع سلاح الجماعات غير التابعة للدولة. وستلي ذلك عمليات إعادة الإعمار والعودة الآمنة للنازحين، مع ربط الدعم الدولي ارتباطاً وثيقاً بإحراز تقدم ملموس وخضوع العملية للرقابة. ويبرز الدور الأميركي كعنصر محوري طوال هذه العملية، حيث تتولى الولايات المتحدة مهام الوساطة والتحقق وضمان نجاح المسار، فضلاً عن حشد الشركاء لدعم التعافي الاقتصادي للبنان.

حزب الله: في دائرة الاستهداف والتهميش

ما يضفي طابعاً تاريخياً على هذا الاتفاق ليس فقط طموحه الواسع، بل مواجهته الصريحة لنفوذ “حزب الله” داخل لبنان. وكما أكد روبيو بقوله “لقد دأب حزب الله -أخطر وكلاء إيران- على جر لبنان مراراً وتكراراً إلى حروب مدمرة، وذلك رغماً عن إرادة الحكومة والشعب اللبنانيين”. ولا يترك هذا التصريح مجالاً للشك: فقد صُمم اتفاق الإطار الثلاثي صراحةً لتفكيك القدرات العسكرية لحزب الله، واستعادة احتكار الدولة اللبنانية لاستخدام القوة، وإنهاء حقبة الجهات المسلحة غير التابعة للدولة التي تفرض قرارات الحرب والسلم. كان السفير الإسرائيلي يخيئيل لايتر أكثر صراحةً إذ قال “إيران خارج المعادلة، وحزب الله خارجها، والطريق ممهد للسلام بين إسرائيل ولبنان”. وبالنسبة لإسرائيل، يوفر الاتفاق مساراً قابلاً للتحقق لإزالة التهديد المستمر على حدودها الشمالية، وإنهاء دوامة الهجمات والردود الانتقامية التي أرهقت الجانبين.

وكما كان متوقعاً، رفض “حزب الله” الاتفاق، مندداً بما يُعرف به باعتباره محاولة لتهميشه وتهميش “مسار إسلام آباد”. ويصر “الحزب” على أنه لا يمكن المضي قدماً في أي أمر في لبنان دون موافقته – وهو ادعاء يتناقض تماماً مع نص الاتفاق وتصريحات المسؤولين اللبنانيين أثناء التوقيع. وللمرة الأولى، ترهن الحكومة اللبنانية مستقبلها بالسيادة والشفافية وسيادة القانون، لا بقوة الفيتو الذي يمتلكه “الحزب” المدججة بالسلاح والذي يأتمر بأمر طهران.

الرهانات بالنسبة للبنان والمنطقة

بالنسبة للبنان، يُعد هذا الاتفاق بمثابة طوق نجاة. فقد أدت سنوات الحرب والانهيار الاقتصادي والتدخلات الخارجية إلى إفراغ مؤسسات الدولة من مضمونها وترك الملايين يعانون من الفقر والنزوح. ويقدم النهج المرحلي لاتفاق الإطار مساراً حقيقياً، وإن كان شاقاً، نحو التعافي: إذ تأتي عملية نزع السلاح واستعادة سلطة الدولة في المقام الأول، تليها مرحلة إعادة الإعمار والاستثمارات الدولية.

كان الوفد اللبناني، برئاسة السفيرين سيمون كرم وندى حمادة معوض، يدرك تماماً صعوبة الطريق الذي ينتظره، ولكنه يدرك أيضاً حجم الفرصة المتاحة. وقالت حمادة “لقد تحقق هذا الإنجاز بفضل قيادة الرئيس عون، وإصرار رئيس الوزراء سلام، وصمود السفير كرم، والروح الوطنية للجيش اللبناني”. وهي قائمة استُبعد منها “حزب الله” من المساهمين في مستقبل لبنان.

أما بالنسبة للولايات المتحدة، فيمثل هذا الاتفاق اختباراً لنفوذ واشنطن ومدى التزامها. فقد أوضح روبيو أن المساعدات الأميركية المستقبلية ستكون “مشروطة بصرامة بتحقيق مراحل محددة وقابلة للتحقق، وبالشفافية، والنتائج الملموسة، والرقابة المستمرة”. ولا يقتصر الهدف على دعم لبنان فحسب، بل يمتد ليشمل حرمان “حزب الله”، وبالتالي إيران، من القدرة على استخدام الأراضي اللبنانية كمنصة لشن الهجمات وزعزعة الاستقرار الإقليمي.

انتصار للدبلوماسية وهزيمة للتطرف

إن اتفاق الإطار الثلاثي ليس اتفاقاً محسوماً أو نهائياً بعد. ستكون عملية التنفيذ محفوفة بالعقبات، ولا سيما تلك التي يضعها حزب الله نفسه. إذ يحتفظ “الحزب” بقوة عسكرية وسياسية كبيرة، ومن المرجح أن يقاوم أي محاولة لتفكيك ترسانته. غير أن الحكومة اللبنانية صاحبة السيادة تجد نفسها، لأول مرة منذ سنوات، في صلب عملية دولية تحظى بدعمٍ يتمثل في التهديد الجدي بحجب المساعدات المشروطة، والوعد بتحقيق انتعاش اقتصادي حقيقي.

وفي حال نجاحه، قد يوجه هذا الاتفاق ضربةً قويةً للسردية التي يتبناها “حزب الله” ولحرية عملياته الميدانية، كما أنها قد ترسي سابقةً لتهميش وكلاء إيران الآخرين في أنحاء المنطقة، مُثبتةً بذلك أن السلام والسيادة أمران ممكنان حينما يتخذ المجتمع الدولي موقفاً حازماً في مواجهة الجهات المسلحة غير الحكومية.

بعض بنود الاتفاق

ينص الاتفاق الأولي على تأكيد كل من إسرائيل ولبنان حق الآخر في الوجود بسلام كجارتين تتمتعان بالسيادة، وإعلان نيتهما إنهاء الصراع بشكل دائم ومعالجة جذوره، وإنهاء حالة الحرب القائمة رسمياً. كما يشير الاتفاق إلى أنه جاء نتيجة جولات عدة من المفاوضات المباشرة، ويعكس “التزاماً لا رجعة فيه” بحل القضايا العالقة عبر مفاوضات ثنائية تحظى بالوساطة والدعم الأميركيين.

ويقوم الجوهر العملياتي للاتفاق على مبدأ التبادلية والتنفيذ المرحلي، إذ يتعين على الجيش اللبناني استعادة سلطة الدولة الفعلية في جميع أنحاء لبنان بعد التحقق من نزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة وتفكيك بنيتها التحتية. وفي الوقت نفسه، ستقوم القوات الإسرائيلية بإعادة الانتشار تدريجياً خارج الأراضي اللبنانية. ومن المتوقع أن يحدد ملحق أمني – يحظى بدعم أميركي – الترتيبات الأمنية وآليات التحقق وتدابير التنفيذ.

ويؤسس اتفاق الإطار لمناطق نموذجية يتولى فيها الجيش اللبناني المسؤولية الأمنية الكاملة والفعالة. وفور نزع سلاح حزب الله وغيره من الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة وتفكيك بنيتها التحتية في تلك المناطق، سيتولى الجيش السيطرة الحصرية، لتبدأ بعدها عمليات إعادة الإعمار وتُتاح للمدنيين اللبنانيين إمكانية العودة بأمان. وقد تم بالفعل الاتفاق على منطقتين نموذجيتين أوليتين، على أن يتم اختيار مناطق أخرى بموافقة الطرفين.

يُجدد لبنان، بدوره، التأكيد على ما وعدت به الحكومات السابقة دون أن تضعه موضع التنفيذ: التزامٌ راسخٌ لا رجعة فيه باستعادة السيادة الكاملة على كامل الأراضي اللبنانية، وإعادة تكريس احتكار الدولة لاستخدام القوة، وتحقيق نزع السلاح الكامل والمُتحقَّق منه لجميع الجماعات المسلحة، وضمان عدم اضطلاعها بأي دور عسكري أو أمني، والقضاء على قدراتها المسلحة في أي مكان داخل لبنان.

كما ينص النص على رفض لبنان لأي ادعاء من جانب أي دولة أو جهة غير تابعة لدولة باستخدام القوة نيابة عنه دون تفويض صريح، ويشدد على أن الحكومة اللبنانية وحدها هي صاحبة السلطة في قضايا الحرب والسلم.

وتؤكد إسرائيل أن عملياتها العسكرية في لبنان تأتي رداً على هجمات وتهديدات ونوايا عدائية من جانب جماعات مسلحة غير تابعة لدولة، ولا سيما حزب الله. وتصرح بأن إزالة هذه التهديدات والاتفاق على ترتيبات أمنية إضافية من شأنهما إلغاء أي حاجة مستقبلية لعمليات أو وجود عسكري إسرائيلي في لبنان، معلنة في الوقت ذاته أنها لا تملك أي مطالبات إقليمية (أراضي) في لبنان.

أخبار متعلقة :