كتبت باتريسيا جلاد في «نداء الوطن» أن المتقاعدين والعسكريين يستعدون لمعاودة النزول إلى الشارع والتصعيد للمطالبة بإعادة رواتبهم إلى ما كانت عليه عام 2019، فيما تتهيأ رابطة موظفي الإدارة العامة للعودة إلى الإضرابات. وبينما تحاول الدولة تهدئة الأوضاع عبر الوعود في ظل الحروب والتضخم، يبرز السؤال حول خيارات زيادة العائدات لتمويل هذه المطالب.
وعلى الرغم من القوانين الإصلاحية التي تعمل الحكومة على إنجازها تلبية لمتطلبات صندوق النقد الدولي، فإنها لا تزال عاجزة عن وضع خطة اقتصادية ومالية تعيد تأهيل القطاع العام وترفع إنتاجيته، عبر تنظيمه وملء الشغور في المؤسسات العامة، الذي يبلغ نحو 75%.
وفي ظل هذا التقاعس، تعتمد الحكومة على الخيار الأسرع لتحصيل الإيرادات، والمتمثل في زيادة ضريبة القيمة المضافة بنسبة 1%، بما يُتوقع أن يدر نحو 150 مليون دولار للخزينة، إلى جانب رفع الرسوم على البنزين.
وعلمت «نداء الوطن» من مصادر مطّلعة أن «الحكومة لا يمكنها تصحيح الرواتب وزيادتها إلى نسبة 50% مما كانت عليه في 2019 من دون تأمين التمويل، والذي سيكون عبر الرسوم والضرائب».
وبحسب المصادر، إذا استمر الضغط في الشارع واضطرت الحكومة إلى الاستجابة لمطالب المتقاعدين وموظفي الإدارات العامة وفاءً بالتزاماتها، وأقرت جولة جديدة من الزيادات، فستكون النتيجة «زيادة الـTVA بنسبة 1% ورسم إضافي على المحروقات المشتعلة أصلاً والتي تكوي جيوب اللبنانيين». أما في حال عدم اعتماد هذه الخطوة، فسيترتب على الحكومة البحث بجدية في فتح ملفات التهرب الضريبي، ولا سيما ضريبة الأرباح على الشركات وعلى شركات كبار المكلفين.
الإنفاق على الرواتب
يخصص مشروع قانون موازنة 2027 أكثر من نصف الإنفاق العام للرواتب والأجور والمنافع الاجتماعية. ووفق أرقام مشروع الموازنة، تستحوذ هذه البنود على نحو 53.5% من إجمالي الإنفاق، في وقت تستعد الدولة لمزيد من الزيادات لموظفي القطاع العام والمتقاعدين، ما سيرفع كلفة الأجور على الخزينة.
وترتبط زيادة الإنفاق على الرواتب بارتفاع الإيرادات الضريبية التي تراهن عليها الموازنة، إذ تزيد هذه الإيرادات بنحو 20.2% مقارنة بموازنة 2026، مع اعتماد لافت على الضرائب والرسوم غير المباشرة.
وبلغت مخصصات الرواتب والأجور والمنافع الاجتماعية في مشروع موازنة لبنان لعام 2027 نحو 329.2 تريليون ليرة، أي ما يعادل تقريباً 3.679 مليارات دولار، بما يشكل نحو 53.5% من إجمالي النفقات العامة للدولة، البالغة 6.99 مليارات دولار.
ويأتي ذلك مقابل تخصيص أقل من 11% للاستثمار، فيما تبقى الإصلاحات البنيوية الكبرى، مثل إعادة هيكلة القطاع المصرفي ومعالجة الدين العام، خارج صلب المشروع. كما لا يقدم المشروع إصلاحاً جذرياً لبنية الرواتب والتعويضات، بل يتعامل معها باعتبارها التزامات إنفاقية قائمة.
وبالمقارنة مع عام 2026، خُصص أكثر من 55% من إجمالي الإنفاق للرواتب والمنافع الاجتماعية. وكان مجلس النواب قد أقر خلال تموز 2026 اعتماداً إضافياً بقيمة 56.5 ألف مليار ليرة، أي نحو 631 مليون دولار، لتمويل ستة رواتب إضافية لموظفي القطاع العام والعسكريين والمتقاعدين، بأثر رجعي من آذار.
ويعني ذلك أن الكلفة الفعلية للأجور والتقاعد تجاوزت ما كان مرصوداً أصلاً، في نمط متكرر يضعف موثوقية تقديرات الموازنات اللبنانية. وتبقى حصة الأجور والمنافع الاجتماعية، تالياً، شبه ثابتة بنيوياً بين السنتين وفوق النصف، ما يجعل الحديث عن «ضبط الإنفاق» متعلقاً بهامش محدود من الموازنة، لا بتغيير بنيتها وأهدافها.
موازنة لا تواجه الواقع
وفي هذا السياق، يعتبر أستاذ الاقتصاد في الجامعة اللبنانية جاسم عجاقة أن «موازنة 2027 لا يمكنها مواجهة الواقع الاقتصادي في البلاد إذا استمر ارتفاع سعر النفط»، مضيفاً أنها «ستنهار» وستكون غير قادرة على سد العجز الذي سيسجل في الموازنة.
ويسأل عجاقة، وفق ما نقلته المادة، كيف ستُغلق الفجوة ويبقى العجز صفراً، في ظل اعتماد الإيرادات على الضرائب واستمرار التضخم، ولا سيما إذا أقرت زيادة للرواتب والأجور في القطاع العام وللمتقاعدين. ويشير إلى أن الموازنة، وإن لم تكن إصلاحية في الظروف الراهنة، «أفضل الممكن»، لكنها غير قادرة على مواجهة الواقع الحالي، علماً أنها لا تلحظ حتى الدين المترتب على الدولة اللبنانية ولا كلفة الدين في الموازنة، فيما ستتضمن الموازنة المقبلة التزامات الدين.
أما الزيادة الموعودة للمتقاعدين الذين نزلوا إلى الشارع ولموظفي القطاع العام، فستبلغ 50%، وفق المصدر المطلّع نفسه. وعلى الرغم من الأعباء التي ستترتب عليها بالنسبة إلى الخزينة، فإنها لن تعيد الرواتب إلى مستوى عام 2019، الذي لم يعد صالحاً في الوضع الراهن بسبب الارتفاع الكبير في التضخم، مع ترجيح ارتفاعه بنسبة 25% خلال العام الجاري، لكنها ستجعل قيمة الرواتب مقبولة.
إطار مالي للموازنة
وفي هذا الإطار، تعد وزارة المال خطة لإعادة تأهيل القطاع العام وتصوّراً لإطار مالي للموازنة بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، يُعرف باسم MTFF، أي Medium-term Fiscal Framework. ويوفر هذا المشروع وسيلة لتغطية نفقات الموازنة في حال لم تكن متوازنة.
وبانتظار انتهاء هذا التصور، يبقى الوضع في دوامة الأزمة المالية نفسها، مع استمرار الاستسهال في زيادة الإيرادات من جيوب المواطنين من دون خطة إصلاحية شاملة.
أخبار متعلقة :