عُقد في وزارة البيئة اجتماع تقني عقب اختتام أعمال مؤتمر الأطراف الثلاثين COP30، الذي استضافته مدينة بيليم في البرازيل، تحت عنوان: من بيليم إلى بيروت: تأملات ما بعد COP30 وحوار سياساتي. وهدف الاجتماع إلى متابعة مشاركة لبنان في المؤتمر، ومناقشة أبرز نتائجه ومدى انسجامها مع توجهات سياسات المناخ الوطنية.
شارك في الاجتماع وزيرة البيئة الدكتورة تمارا الزين، سفير البرازيل في لبنان تارسيزيو كوستا، قنصل لبنان الفخري في البرازيل مكرم سعيد، مستشارة تغيّر المناخ لدى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ليا القاعي، إلى جانب أعضاء الوفد التقني اللبناني وعدد من الشركاء الرئيسيين.
في مستهل اللقاء، أكدت مستشارة تغيّر المناخ لدى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أهمية الاستماع إلى خبرات أعضاء الوفد التقني اللبناني الذين شاركوا في المفاوضات خلال المؤتمر، مشددة على الدور الحيوي لدعم الحكومات في مسار التفاوض المناخي. وأشارت إلى إيمان البرنامج بالتعددية وبقدرة الدول الصغيرة على التأثير في العملية المناخية الدولية، إضافة إلى الرهان على دور الشباب في رفع الصوت والمطالبة بالتغيير.
من جهته، عبّر القنصل مكرم سعيد عن فخره بتمثيل لبنان في البرازيل، لافتًا إلى أهمية انعقاد COP30 في مدينة بيليم التي تحتضن جالية لبنانية كبيرة تُقدَّر بنحو 400 ألف شخص، يشغل العديد منهم مواقع مؤثرة في مختلف القطاعات.
بدوره، استعرض السفير البرازيلي أبرز ما ميّز قمة بيليم للمناخ، مشيرًا إلى المشاركة الواسعة التي سجلها المؤتمر، حيث حضرته 155 وفدًا يمثلون أكثر من 130 دولة، من بينها وفود ترأسها رؤساء دول وحكومات أو نوابهم، إضافة إلى عشرات الوزراء، ما عكس التزامًا عالميًا رفيع المستوى بالعمل المناخي. وأكد أن انعقاد القمة في قلب منطقة الأمازون يحمل دلالة رمزية قوية، تبرز الدور المحوري للغابات والمجتمعات المحلية في مواجهة تغيّر المناخ.
وأوضح أن جدول أعمال القمة تضمن جلسة عامة للقادة وثلاث جلسات موضوعية ركزت على الغابات والمحيطات، وانتقال الطاقة، والمساهمات المحددة وطنيًا، وتمويل المناخ، إلى جانب مشاركة فاعلة لمنظمات المجتمع المدني والشعوب الأصلية والشباب، ما أتاح تسليط الضوء على الأبعاد الاجتماعية لقضية المناخ.
وأشار إلى إطلاق نداء بيليم للعمل المناخي، الذي يهدف إلى سد الثغرات في النظام المناخي الدولي، واعتماد ثمانية إعلانات والتزامات استراتيجية عززت النهج العملي للتعاون المناخي. كما عدّ من أبرز نتائج القمة إنشاء مرفق الغابات الاستوائية للأبد، كآلية تمويل مبتكرة تقودها دول من الجنوب العالمي، وقد حظي بدعم 64 دولة تمثل أكثر من 90 في المئة من الغطاء الحرجي الاستوائي في العالم النامي، مع تعهدات مالية بلغت 6.7 مليارات دولار.
وتطرق السفير إلى نتائج أخرى، من بينها دعوة العمل للإدارة المتكاملة للحرائق وتعزيز القدرة على مواجهة حرائق الغابات، والتأكيد على وضع الإنسان في صلب العمل المناخي من خلال مبادرات تناولت الجوع والفقر والعدالة الاجتماعية وحقوق الشعوب الأصلية ومكافحة العنصرية البيئية. كما أشار إلى التزام بيليم بشأن الوقود المستدام، وإطلاق التحالف المفتوح لأسواق الكربون المنظمة، وإنشاء المنتدى المتكامل المعني بتغير المناخ والتجارة.
ولفت إلى أن قيادة البرازيل أسهمت في الحفاظ على الزخم داخل منظومة المناخ الدولية، حيث ارتفع عدد المساهمات المحددة وطنيًا بشكل ملحوظ، ما عزز الثقة بالعمل المناخي متعدد الأطراف، وأعاد التأكيد على الالتزام بهدف الحد من الاحترار العالمي عند 1.5 درجة مئوية، مع تعزيز تمويل التكيف واعتماد مؤشرات الهدف العالمي للتكيف.
وأكد السفير أن المؤتمر أتاح نقاشًا جديًا حول الحد من الاعتماد على الوقود الأحفوري ومكافحة إزالة الغابات، مشيرًا إلى أن الرئاسة التركية – الأسترالية المقبلة لـCOP31 ستعمل على وضع خارطة طريق للانتقال من الوقود الأحفوري ووقف إزالة الغابات. وشدد على أن تغيّر المناخ لم يعد قضية نظرية، بل واقعًا يؤثر مباشرة في الأمن الغذائي والصحة والاستقرار، معتبرًا أن نتائج قمة بيليم تؤكد مسؤولية مشتركة لتحويل الزخم السياسي إلى عمل جماعي فعّال.
من جهتها، شكرت وزيرة البيئة دولة البرازيل ورئاسة COP30 وشركاء لبنان في منظومة الأمم المتحدة على دعمهم المتواصل، مثمنة جهود الفريق التقني اللبناني لضمان حضور فاعل ومتوازن للبنان في القمة. وتطرقت إلى البيان المشترك الصادر عن وزارتي البيئة والزراعة بشأن رش القوات الإسرائيلية مادة الغلايفوسيد في جنوب لبنان، مشيرة إلى إعداد ملف بالتعاون مع وزارة الخارجية لرفعه إلى الأمم المتحدة، ومعربة عن الثقة بدعم البرازيل في هذا المسار.
وأكدت التزام لبنان بالعمل المناخي متعدد الأطراف رغم التحديات الدقيقة التي يمر بها، انطلاقًا من قناعة بأن العمل المناخي يشكل ركيزة أساسية للتعافي الاقتصادي وتعزيز الاستقرار وحماية الفئات الأكثر هشاشة. وأوضحت أن الوفد المفاوض التزم بتوصيات ركزت على التعافي البيئي وأوضاع الدول الهشة والمتأثرة بالنزاعات، إضافة إلى أهمية تسريع مسارات التمويل المناخي في ظل الأزمات المتتالية.
كما شددت على أن لبنان من الدول الأقل مساهمة في الانبعاثات العالمية، بنسبة لا تتجاوز 0.004 في المئة، مؤكدة الالتزام باتفاقية باريس وإطلاق رزمة السياسات المناخية، والعمل على استكمالها بقانون للتغير المناخي. ولفتت إلى أن التحدي الأساسي يبقى في تأمين التمويل، مع السعي لتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في التنمية منخفضة الانبعاثات، رغم الظروف الأمنية والسياسية.
وأعلنت أن الهيكلية الجديدة لوزارة البيئة تتضمن مديرية عامة للمناخ، مع التحضير لمراسلات رسمية لتعديل قانون إنشاء الوزارة، تمهيدًا للتوظيف بدءًا من عام 2027 بهدف تحديث العمل المؤسسي ومواكبة التوجهات العالمية.
وخلص اللقاء إلى التأكيد أن مشاركة لبنان في COP30 تأتي ضمن مسار تراكمي يربط العمل المناخي بأولويات التعافي والتنمية الوطنية. كما شدد الوفد اللبناني خلال المؤتمر على ضرورة الانتقال من التعهدات إلى التنفيذ، عبر تمويل واضح وآليات تراعي أوضاع الدول الهشة والمتأثرة بالنزاعات، ولا سيما في ضوء الأضرار البيئية الجسيمة الناجمة عن العدوان الإسرائيلي.
وأكد المجتمعون أن مخرجات COP30 تشكل إطارًا داعمًا لمتابعة تنفيذ المساهمة الوطنية المحدثة للبنان NDC 3.0، والخطة الوطنية للتكيف، واستكمال العمل على قانون التغير المناخي، وتعزيز الجهوزية المؤسسية للتعامل مع أسواق الكربون والتدابير التجارية المرتبطة بها، بما يحمي الاقتصاد الوطني ويدعم مسار التعافي والاستقرار على المديين المتوسط والطويل.



