أخبار عاجلة

هل ما زال شباط شهر التسوّق في لبنان؟

هل ما زال شباط شهر التسوّق في لبنان؟
هل ما زال شباط شهر التسوّق في لبنان؟

كتب رماح هاشم في “نداء الوطن”:

لطالما شكّل شهر شباط محطة أساسية في الروزنامة التجارية اللبنانية، حيث كانت التخفيضات الموسميّة تُحوّل هذا الشهر إلى محرّك فعليّ للاستهلاك، وتمنح السوق دفعة يحتاجها بعد ركود الشتاء. إلّا أن المشهد الاقتصاديّ تغيّر جذريًا، ومعه تغيّر سلوك المستهلك وقدرته الشرائية، ما يطرح سؤالًا مشروعًا: هل ما زال شهر التسوّق في شباط يؤدّي دوره الاقتصاديّ، أم أنه تحوّل إلى تقليد تجاريّ فقد مضمونه؟

لا يحتاج المتابع اليوم إلى تقارير أو إحصاءات ليُدرك حجم التحوّل الذي أصاب الأسواق التجارية في لبنان. جولة سريعة في الشوارع والأسواق والمراكز التجارية في مختلف المناطق تكشف مشهدًا لم يكن مألوفًا في مثل هذا الموسم. محال مفتوحة، واجهات مكتظة بالعروض والتخفيضات، مقابل حركة خجولة وغياب واضح للازدحام الذي كان يميّز شهر التسوّق سابقًا. هذا الفراغ لا يعكس تراجعًا موسميًا عابرًا، بل يشير إلى انكماش الطبقة الوسطى التي شكّلت تاريخيًّا المحرّك الأساسي للاستهلاك، ما يجعل السوق اليوم تفتقد فئتها الأساسية.

رغم ذلك، يظلّ شهر شباط مُحتفظًا برمزيّته كموعد للتسوّق. حتى في ظلّ خلوّ المحال من الزبائن، يبقى السعر المخفض والعروض المعلنة علامة مميّزة، تذكّر المستهلكين بفكرة الموسم وتاريخ هذا التقليد الاقتصاديّ. بمعنى آخر، قد يكون شهر التسوّق اليوم حدثًا شكليًا أكثر من كونه موسمًا فعليًا للشراء، لكنه لا يزال يحمل صدى التوقعات والعادات التي رسخت في ذهن اللبنانيين منذ سنوات طويلة.

بين الخطاب الإعلاني الذي يروّج لعروض مغرية، والواقع المعيشي الذي يفرض أولويات مختلفة، تظهر فجوة واضحة بين ما يُراد للسوق أن تكون عليه، وما هي عليه فعليًا. هذه الفجوة تنعكس بوضوح في آراء التجّار، وفي الأرقام التقريبيّة لحجم المبيعات، وتشكّل محور النقاش الاقتصادي حول فعالية المواسم الترويجيّة اليوم.

آراء التجّار: السوق من الداخل

لفهم الدور الحقيقي لشهر التسوّق اليوم، لا يكفي النظر إلى حجم العروض أو نسبة التخفيضات، بل لا بدّ من الاستماع إلى نبض السوق من الداخل. التجّار، باعتبارهم الحلقة الأولى في مواجهة المستهلك، يملكون قراءة دقيقة لتغيّر السلوك الاستهلاكيّ، وللفارق بين حركة الزبائن وحجم المبيعات الفعليّة.

يُجمع عدد من أصحاب المحال التجاريّة على أن شهر التسوّق لم يعد موسمًا استثنائيًا كما كان في السابق، بل أصبح محاولة للحدّ من الخسائر.

في هذا الإطار، يشير أحد تجّار الألبسة في بيروت إلى أن “المشكلة اليوم ليست في نسبة الخصم، بل في غياب القدرة الشرائية. الزبون يدخل، يسأل، يقارن، لكنه غالبًا يخرج من دون شراء”.

تاجر آخر في مركز تجاريّ كبير يؤكد أن “الحركة موجودة شكليًا، إلّا أن الشراء محدود”، موضحًا أن “شريحة صغيرة فقط ما زالت تشتري، وهي التي تتقاضى رواتب بالدولار أو لديها مصادر دخل خارجية”.

في المقابل، يشير بعض التجّار إلى أن “ارتفاع الكلفة التشغيلية، من كهرباء ونقل وإيجارات، جعل التخفيضات أقرب إلى تصريف مخزون لا أكثر”.

ماذا تقول المبيعات؟

بعيدًا من الانطباعات، تعكس الأرقام، وإن كانت تقريبية، حجم التراجع في فعالية شهر التسوّق. ورغم غياب الإحصاءات الرسميّة الدقيقة، فإن تقديرات التجّار تُقدّم مؤشرات واضحة على التحوّل الذي أصاب الاستهلاك.

بحسب تقديرات تجّار البيع، فإن حجم المبيعات خلال شهر التسوّق في شباط لا يتجاوز 25 إلى 35 في المئة من مستواه قبل عام 2019. وحتى خلال فترات التخفيض القصوى، لم تعد السوق تستعيد زخمها السابق.

يُقدّر أحد التجار، أن الزيادة في المبيعات خلال شهر التسوّق لا تتعدّى 10 إلى 15 في المئة مقارنة بالأشهر العادية، في حين كانت هذه الزيادة قبل الأزمة تصل إلى 40 أو حتى 50 في المئة. أما من حيث سلوك الزبائن، فتشير التقديرات إلى أن أقل من 30 في المئة من الزائرين يُقدِمون على الشراء الفعليّ، مقارنة بما كان يصل إلى 60 أو 70 في المئة سابقًا.

إذًا، تكشف آراء التجّار والأرقام التقريبية حقيقة واحدة: شهر التسوّق في شباط لا يزال قائمًا بالاسم، لكنه فقد إلى حدّ كبير دوره الاقتصادي. فالحسومات لا تصنع استهلاكًا في غياب الدخل، والعروض لا تحرّك السوق إذا كانت القدرة الشرائية منهكة.

“عامل الأونلاين”

لكن، لا يُمكن إغفال عامل آخر قد يكون أسهم، ولو جزئيًا، في تراجع الحركة داخل الأسواق، وهو تنامي الطلب عبر المنصّات الإلكترونية. فالتسوّق عبر الإنترنت أصبح خيارًا مطروحًا لشريحة من المستهلكين، سواء لمقارنة الأسعار، أو لتفادي كلفة التنقل، أو للاستفادة من عروض لا تُقدَّم في المحال التقليدية.

في هذا السياق، يشير أحد تجّار الألبسة في بيروت إلى أن “هناك عددًا من الزبائن أصبح يفضل الطلب أونلاين بدل المجيء إلى المتجر، خصوصًا الفئات الشابة التي تتعامل مع الهواتف والتطبيقات بسهولة”.

ورغم صعوبة حسم حجم هذا الدور في غياب أرقام دقيقة، إلّا أن حضوره أصبح ملموسًا، وقد يفسّر جزئيًا غياب بعض الزبائن عن المتاجر، من دون أن يُلغي العامل الأهم المرتبط بتراجع القدرة الشرائية وانكماش الطبقة الوسطى.

“قراءة اقتصادية”

في مقابل الصورة التي تعكسها الأسواق اليوم، وما يعبّر عنه التجّار من تراجع في فعالية شهر التسوّق، يبرز البعد التحليليّ للاقتصاديين حول إمكانية استعادة هذا الموسم دوره، في حال أُدرج ضمن مقاربة أشمل تتجاوز التخفيضات الظرفية.

في هذا السياق، يُقدّم الخبير الاقتصادي وعضو هيئة مكتب المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في لبنان، د. أنيس بو دياب، قراءة مختلفة تقوم على ربط شهر التسوّق برؤية اقتصادية وسياحية متكاملة.

يقول بو دياب، لـ “نداء الوطن”، إن “الإعلان عن شهر مخصّص للتسوّق يشكّل عاملًا محفزًا للحركة التجارية في الأسواق، لما يعكسه من زيادة في الإقبال وتنشيط للدورة الاقتصادية، ولا سيّما في ظلّ الانكماش الاقتصادي الذي يشهده لبنان”.

ويشير إلى أن “هذه المبادرة ليست جديدة، إذ سبق الإعلان عن شهر للتسوّق في لبنان عام 1998، قبل أن تتوقف لاحقًا لفترة طويلة. أما اليوم، فلا تزال هذه الفكرة غائبة عن المشهد الاقتصادي العام، باستثناء مبادرات محدودة، من بينها ما أُعلن عنه في سوق جبيل خلال شهر شباط”.

ويؤكّد أن “نجاح شهر التسوّق لا يُمكن أن يتحقق من خلال إعلان محلي محدود، بل يتطلّب حملة ترويجية متكاملة وفاعلة، لا تقتصر على السوق اللبنانية فحسب، بل تمتدّ إلى الخارج، ضمن رؤية تسويقيّة شاملة تعزز موقع لبنان كوجهة تجمع بين السياحة والتجارة”.

في هذا الإطار، يلفت بو دياب إلى أن “شهر شباط يمكن أن يشكّل فرصة مناسبة لربط شهر التسوّق بموسم التزلّج والسياحة الشتوية في لبنان، ضمن حزمة متكاملة تشمل أيضًا السياحة البيئية والسياحة الدينية. ومن شأن هذا التكامل أن يساهم في تنويع المواسم السياحية، وعدم حصرها بفصل الصيف أو بفترة الأعياد في نهاية العام، ما يعزز استدامة الحركة السياحية والاقتصادية على مدار السنة”.

يخلص بو دياب إلى أن “إدراج شهر التسوّق ضمن خطة وطنية سياحية – تجارية متكاملة من شأنه أن يخلق اندفاعًا مستمرًا في الأسواق، ويفتح المجال أمام تحريك العجلة الاقتصادية تدريجيًا”، مؤكّدًا أن “أي تحسّن في النشاط التجاري، مهما كان محدودًا، يُعدّ خطوة إيجابيّة في مواجهة التحدّيات الاقتصادية الراهنة”.

في المحصّلة، يبدو أن شهر التسوّق في لبنان لم يفقد معناه بالكامل، لكنه فقد دوره الاقتصادي كما كان معروفًا في السابق. فالأسواق لا تزال تعرض التخفيضات، والمبادرات لا تزال تُطلق، إلّا أن القدرة الشرائية المنهكة وانكماش الطبقة الوسطى يحولان دون تحوّل هذه العروض إلى استهلاك فعليّ واسع. آراء التجّار تعكس واقعًا ضاغطًا عنوانه حركة بلا مبيعات، فيما يقدّم الخبراء قراءة أكثر شموليّة تؤكّد أن المشكلة لا تكمن في توقيت شهر التسوّق في حدّ ذاته، بل في غياب رؤية اقتصادية وسياحية متكاملة تعيد وصل التجارة بالدخل، والاستهلاك بالنموّ.

من هنا، فإن إعادة الاعتبار لشهر التسوّق لا يُمكن أن تتحقق عبر الخصومات وحدها، بل من خلال سياسات أوسع تعزز الثقة، وتدعم الدخل، وتُدرج هذا الموسم ضمن استراتيجية وطنية تحرّك السياحة والتجارة معًا. وإلى أن تتوافر هذه الشروط، سيبقى شهر شباط حاضرًا في الروزنامة… لكن بدور رمزي أكثر من كونه اقتصاديًا.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق سلام في جنوب لبنان تكريساً لـ”عودة الدولة” بالسيادة والإعمار
التالى بيروت تستعد لتوقيع اتفاقية مع دمشق للإفراج عن 300 سجين