هل الحسم يعوّم الطائف أم يقود إلى تركيبة جديدة؟

هل الحسم يعوّم الطائف أم يقود إلى تركيبة جديدة؟
هل الحسم يعوّم الطائف أم يقود إلى تركيبة جديدة؟

كتبت جومانا زغيب في “نداء الوطن”:

تكشف معطيات موثوق بها، أن الدولة اللبنانية حكمًا وحكومة، باتت في مسار ضيّق ولا ينتظر كثيرًا لتُقرِن القول بالفعل في ما خصّ قرار حصر السلاح، ومنع أي نشاط عسكري أو أمني لـ “حزب اللّه”، وذلك على خلفية تناغم غير مسبوق منذ مدة طويلة بين الولايات المتحدة الأميركية بقيادة الرئيس دونالد ترامب، وبين الدول الأوروبية الرئيسية، التي حاولت لفترة التملّص من التزام مساعدة الأميركيين في حربهم بالتنسيق مع إسرائيل على إيران و “الحزب”، ردًّا على تفرّد الرئيس الأميركي في بعض القرارات والسياسات، خلافًا لموجبات التحالف القديم ولحلف شمال الأطلسي الذي يضمّ الولايات المتحدة والأكثرية الساحقة من دول الاتحاد الأوروبي.

ويقول دبلوماسي غربي، إن على لبنان، أن يفهم هذا التناغم الأميركي الأوروبي الذي تجاوز العديد من التباينات، على أنه يعكس قرارًا كبيرًا لا ردّ له بالخلاص من إيران بنهجها الراهن وشعار تصدير الثورة، إيران “البعبع” لمحيطها وللعديد من دول العالم نتيجة امتداداتها وشبكاتها التي تجمع بين الطابع الإرهابي والعنفي، وبين التهريب وتبييض الأموال. والأمر نفسه ينسحب على “حزب اللّه”، الوكيل الأبرز للنظام الإيراني والذي ساهم في التمدّد الإيراني بوجوه مختلفة في الشرق الأوسط وفي دول عدّة في أوروبا وأميركا اللاتينية وآسيا، فضلًا عن تحوّل “الحزب” إلى حالة شاذة واستثنائية، كدولة في قلب الدولة اللبنانية، بل تفوقها في بعض الوجوه قوّة عسكرية وسطوة سياسية ومالية.

ويضيف الدبلوماسي الغربي، إن الرئيس ترامب كان جازمًا مع كلّ من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني فريدريش ميرتس ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، بأنه لن يتراجع عن إخضاع إيران لشروطه وأنه سيواصل الحرب سواء بهم أو من دونهم، ولن يهتم لأوروبا حيال أيّ تهديد جدي لها، لا سيّما من روسيا، علمًا أن نتائج الحرب الحالية ستفرز واقعًا جديدًا، لن تكون لأوروبا حصة فيه، إذا اعتبرت نفسها غير معنيّة في ما يحصل.

ولذلك تبدّلت المواقف الأوروبية بين ليلة وضحاها، لدرجة أن فرنسا التي حرصت منذ أيام الرئيس شارل ديغول على الاستقلالية العسكرية، بمعزل عن حلف الأطلسي الذي استمرّت في صفوفه سياسيًا فحسب، عمدت للمرّة الأولى بعد عودتها إلى الجناح العسكري عام 2009، إلى وضع قواعدها في الشرق الأوسط بتصرّف الأميركيين.

ويمكن القول إن الحرب على إيران ولّدت ما يشبه تحالفًا دوليًّا وعربيًّا نوعيًّا، وإن لم يرقَ إلى التحالف الصريح الذي تشكَّل خلال حرب الخليج الثانية التي انتهت بالقضاء على نظام صدام حسين في العراق. والأكيد أن النهج السائد لدى الدولة اللبنانية في ضوء التحوّلات المتسارعة لم يعد يفي بالغرض، وينبغي أن يتقدّم من دون تأخير وبخطوات عملية أكثر حزمًا حيال “حزب اللّه”، خصوصًا وأن ثمة ثقة كبيرة بقوة الجيش اللبناني وتماسكه، وبالتالي كلّ ما يحتاجه هو غطاء سياسي صلب يفرض احترامه وهيبته.

ويشير إلى أن تقارير دبلوماسية عدّة وردت إلى عواصم بارزة، تلفت إلى أن تورّط “الحزب” في الحرب بحجة إسناد إيران، كشف وقائع مزعجة لجهة احتفاظ “الحزب” بقدرات عسكرية لا بأس بها جنوب الليطاني، ولجوئه إلى إطلاق صواريخ ومسيّرات من مناطق عدّة، علمًا أن تقارير سابقة، كانت تتحدث عن حراك عناصر “حزب اللّه” وبعض كوادره بالسلاح في البلدات التي تنتمي إلى بيئته جنوب الليطاني، من دون أن تعترضهم القوى الأمنية اللبنانية فيما قوات “اليونيفيل” تكتفي بالمراقبة.

من هنا، فإن لا مهلة سماح بعد اليوم، لأن البديل هو تصعيد الغارات الإسرائيلية والتوجّه إلى فرض واقع ميداني جديد قديم في الجنوب يشبه في بعض نواحيه الواقع السائد في قطاع غزة. ويخلص إلى أن الكلام عن عودة إلى المعادلة التي أرساها وقف النار الأخير لم تعد واردة، ولا مخرج إلّا بالانتقال إلى حالة تفاوضية متقدّمة بين لبنان وإسرائيل بعد حسم مسألة سلاح “حزب اللّه”، وحينها ترتاح السلطة اللبنانية ويرتاح معها الشعب اللبناني ويرتاح المجتمع الدولي من أزمات وهموم، قارب عمرها الستين عامًا عند الحدود اللبنانية الجنوبية، وتاليًا يصبح سحب قوة “اليونيفيل” متاحًا من دون إشكالات ومخاوف جدية، لتعود الحدود الدولية إلى طبيعتها المفترضة.

في أي حال، إن الوصول إلى مرحلة تطبيع الوضع الداخلي في لبنان قبل التطبيع الإقليمي، وكما يقول قيادي سيادي كبير، سيضع اللبنانيين أمام استحقاق إعادة الانتظام العام إلى الدولة اللبنانية والمجتمع اللبناني، بمختلف مكوّناته، سواء من خلال تعويم ولو صعب لاتفاق الطائف ينبغي أن يلحظ الحفاظ على التوازن والشراكة بين المسيحيين والمسلمين بمعزل عن التهويل بالعدد، ووفق ضمانات جدية تشمل حتى قانون انتخاب خارج القيد الطائفي، لكنه ينبغي أن يصون المناصفة الفعلية بنسبة كبيرة، أو من خلال طرح متقدّم لصيغة لامركزية موسّعة، تتخطّى الطابع الإداري البحت لتأخذ أبعادًا مالية وثقافية وأمنية محلّية، تحت سقف الدولة الواحدة. فالأولوية اليوم لحلّ معضلة السلاح، لتحلّ محلّها لاحقًا أولوية حلّ معضلة التهديد الدائم للشراكة وللسلم الأهلي بحجج تتخطى مفهوم الميثاق الوطني.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق نزوح عكسي من لبنان إلى سوريا
التالى إسرائيل تبلغ واشنطن وباريس عدم ممانعتها دعم الجيش اللبناني