أخبار عاجلة

الواقع التعليمي يتخبّط

الواقع التعليمي يتخبّط
الواقع التعليمي يتخبّط

كتبت زيزي إسطفان في “نداء الوطن”:

بين الحرص المعلن على “استمرارية التعليم” والانقطاع عنه في الواقع، يتخبط العام الدراسي في لبنان بين الفوضى والارتباك واللامساواة. بين طلاب نازحين تركوا بيوتهم ومدارسهم تحت وطأة حرب لم يشاؤوها، وطلاب مهجّرين اضطروا إلى إخلاء مدارسهم لتتحول إلى مراكز إيواء يدفع طلاب لبنان الثمن الأكبر من يومهم وغدهم. ومع تشتت الأساتذة بين مناطق النزوح، وتفاوت القدرة على الوصول إلى الوسائل التقنية، يصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: هل الخطة التربوية المطروحة هي إدارة مرنة لأزمة تربوية أم تخبط في أزمة وجودية لا أفق واضحًا لها؟

في هذا المشهد الضبابي، لم يعد التعليم في لبنان مسارًا موحّدًا، بل تجارب متباينة تحكمها الجغرافيا الأمنية أكثر مما تضبطها السياسات التربوية. مدارس خاصة تحاول التكيّف وفق تقديراتها الخاصة، وأخرى رسمية أُخرجت كليًا من الخدمة التعليمية لتستقبل النازحين، فيما يُترك آلاف التلامذة عالقين بين تعليم عن بُعد غير متكافئ وانقطاع قسري عن الدراسة أو حضور إلزامي ملتبس. بعد الأسبوع الأول من الحرب أقرت وزارة التربية خطة استثنائية لإدارة التعليم في ظل الحرب فهل نجحت خطتها؟ أو كانت مجرد ترقيع لواقع لم يعد للترقيع فيه أية فائدة؟

خطة تربوية غير موحّدة

في حديث مع السيدة مهى قاسم وهي عضو في الهيئة التأسيسية لأصحاب المؤسسات التربوية في لبنان وصاحبة إحدى المدارس الخاصة في منطقة الشويفات تقول إن نجاح الخطة التربوية التي وضعت في ظل الوضع الذي يشهده لبنان تتراوح نسبته بين 50 إلى 70 أو 80 % تبعًا لعوامل عدة أبرزها جهوزية المدارس للعمل أونلاين والمنطقة التي تقع فيها المدرسة حيث أن التوتر النفسي والقلق والاستهدافات وما يسمع من أصوات تخفف من القدرة على أداء المهمة التربوية ويخسر الطلاب والأساتذة جزءًا كبيرًا من نجاح المهمة التربوية.

“الخطة التربوية كما هي قائمة اليوم ليست أبدًا موحدة أو حتى عادلة، فوزارة التربية لم تضع خطة شاملة وكاملة وموحدة لكل المدارس الرسمية والخاصة لتسير وفقها بل تركت الأمر للمدارس لتسير حسب ظروفها وتجهيزاتها ومدى متابعتها لطلابها. الوزارة قدمت منصتي “مدرستي” وTeams ليتم العمل من خلالهما، ودعت مدراء المدارس والأساتذة لإنشاء داتا للطلاب والبدء بالعمل. وقدمت شركتا ألفا وتاتش لكل تلميذ 20 جيغا من الإنترنت المجاني شهريًا ليتابع عبر هذه المنصات… لكن رغم هذه التقديمات يبقى هنالك تفاوت كبير جدًا في نسبة نجاح الخطة. فالطلاب النازحون الذين يتآوون في مدارس مكتظة قد لا يكونون قادرين على التركيز وقد لا يكون لديهم تيار كهربائي أثناء الدروس، علمًا أن شركتي ألفا وتاتتش قد حددتا أوقات الوصول إلى الإنترنت المجاني للدخول إلى المنصات من الإثنين إلى الجمعة، من الساعة 7:30 صباحًا حتى 2:00 ظهرًا وهو ما يجعل أعداد الطلاب القادرين على الدخول إلى المنصات ومتابعة الدروس قليلة نسبيًا وتتفاوت وفقًا لوجود التيار الكهربائي أو عدمه. وزارة التربية قامت بأقصى ما تستطيع في ظل هذه الظروف ويسعى مندوبوها للقيام بجولات في المدارس الرسمية لمعرفة احتياجات التلاميذ لكن الصعوبات كبيرة جدًا سواء على الصعيد العملي أو النفسي وثمة أعداد من التلاميذ لا يملكون حتى كتبًا، وقد قامت المدارس بتنزيل كتب رقمية ليستخدمها الطلاب، لكن رغم ذلك يبقى الكثيرون غير قادرين على المتابعة. وفي كثير من الحالات يجد الأهل صعوبة في متابعة أكثر من ولد ولا سيما في أعمار صغيرة الأمر الذي يحملهم أعباء نفسية تضاف إلى ما يعانونه من متاعب”.

من جهة أخرى، تلعب المدارس دورًا مهمًا في إنجاح عملية التعليم عن بعد، أو المدمج وفق ما تؤكده قاسم، ومستوى تجهيزات المدرسة هو ما يحدد نجاح هذه العملية… إذ لا يكفي شرح الدروس وإعطاء الواجبات، بل لا بد من متابعة حثيثة من قبل النظّار في كل مدرسة لمعرفة مدى التزام التلاميذ بالحضور، والتأكد من فهمهم الدروس، وإعادة تسجيل فيديوات قصيرة تلخص ما تم شرحه ليكون الطلاب والأهل قادرين على الوصول إليها بسهولة عبر الواتساب. كما تعمد بعض المدارس إلى تخصيص موعد حضوري يتم الاتفاق عليه للإجابة عن الاستفهامات التي قد تكون عند الطلاب.

عبّر بعض الأهالي لـ “نداء الوطن” عن أنهم لا يرغبون في أن يضيع العام الدراسي على أولادهم. لكنهم اتهموا وزيرة التربية بأنها لا تراعي الظروف الصعبة التي يعيشونها. وشكوا من صعوبة استخدام المنصات التي وضعتها الوزارة في خدمتهم، واقتصار خدمة الإنترنت المجاني على الساعة الثانية ظهرًا، واضطرارهم في كثير من الأحيان استخدام الـ 4g من حساباتهم بدلاً منها. كما عبّر كثيرون منهم عن فشل عملية التعليم عن بعد التي اختبروها في الحرب السابقة عام 2024.

طلاب المدارس الرسمية يدفعون الثمن

فوضى تخبط وارتباك، هذا باختصار واقع الحال التربوي، ويبقى الغضب الأكبر، إلى جانب غضب النزوح، اضطرار تلامذة المدارس والمهنيات الرسمية في بيروت وبعض المناطق الأخرى إلى الهجرة القسرية من مدارسهم لتحويلها إلى مراكز إيواء. وكأن الدولة اللبنانية وجدت في ذلك الحل الأسهل ولو على حساب الفئة الأكثر هشاشة ونعني بها تلامذة المدارس الرسمية ولو أدى إلى توسيع الفجوة بينهم وبين طلاب المدارس الخاصة التي تابعت عملها في معظم الأحيان وإلى تعميق الهوة الاجتماعية بين فئات المجتمع اللبناني.

فطلاب المدارس الرسمية هم الضحية الفعلية، فعدد هؤلاء لا يتخطى 20 % من مجمل طلاب لبنان، وهم الفئات الأكثر تهميشًا حتى من دون حرب ومشاكل. يتعلمون ثلاثة أو أربعة أيام في الأسبوع بدلًا من خمسة كطلاب المدارس الخاصة، هذا عدا الإضرابات وهم اليوم يدفعون الثمن عن لبنان كله حيث اضطروا لإخلاء مدارسهم نتيجة ضغط النزوح الكبير في بيروت والاضطرار لفتح مراكز إيواء .

في حوار مع نقيب المعلمين في المدارس الخاصة نعمة محفوظ حاولنا الإضاءة على الواقع التربوي المتخبط الذي لم ينكره النقيب بل قال إنه جزء من الفوضى والتخبط العامين اللذين يعيشهما لبنان في غياب أي أفق لحلول قريبة.

“منذ العام 2019 يقول النقيب محفوظ لم يشهد لبنان سنة طبيعية، فهل نبقي أولادنا في البيوت؟ الزمن لا ينتظر والتلامذة يجب أن يتعلموا بأي وسيلة كان. التعليم في هذه الظروف ليس مجرد دراسة بل حاجة نفسية واجتماعية للبقاء على اتصال مع الرفاق والخروج من أجواء الحرب والعزلة. من هنا وجب علينا التحلي بمرونة خلاقة لنتأقلم مع الظرف ونقوم بما نستطيع القيام به. لقد قسمنا المدارس إلى ثلاث فئات حيث نوّعنا بين التعليم الحضوري والمدمج والتعليم عن بعد لتأمين تغطية شبه شاملة. لا شك أن التعليم عن بعد ليس مجديًا وقد كانت لنا تجارب تعيسة في هذا الشأن لكنه يبقى أفضل من لا شيء. وضعنا ليس أسوأ من تلامذة غزة الذين تعلموا في الخيم لعدة سنوات… صحيح أن ثمة أساتذة يجهلون التعاطي مع التكنولوجيا ويربكهم التعليم عن بعد لكن أقل الإيمان أن يستعملوا الواتساب لإرسال واجبات أو شروحات إلى طلابهم. بعضهم رفض التعليم عن بعد بسبب الوضع الأمني والمعيشي والخوف من عدم قبض الرواتب لكن مهما يكن من أمر لا بد على الأساتذة من القيام بواجباتهم وتأمين ولو الحد الأدنى من التدريس لأن الجميع في ورطة ولا بد من التعاون للوصول إلى حلول عملية وإن لم تكن مثالية. نحن اليوم نطبق مقولة “من الموجود جود”. نعرف بمشاكل الكهرباء و الإنترنت وضعف اللوجستيات لكن يبقى التعليم عن بعد أفضل من لا شيء ولا أظن أن أحدًا من الأهالي سواء كانوا نازحين أو غيرهم يرضى بأن يخسر أبناؤه عامًا دراسيًا”.

في اجتماع مع وزيرة التربية والمسؤولين التربويين أبدى الجميع مرونة ووجدوا أن عدد تلاميذ لبنان يقارب مليون تلميذ وإذا استطاعوا تأمين 700000 حضوريًا يكون المتبقي حوالى 300000 وبهذا تصبح المشكلة محصورة ويمكن تقسيم هؤلاء إلى 150000 يتلقون تعليمًا مدمجاً و150000 يتعلمون عن بعد. ويمكن ابتكار حلول لهؤلاء بإعادة تدريسهم في الصيف لمدة شهر ونصف لترسيخ ما تعلموه عن بعد. لكن مهما تكن الظروف لا يمكن التغاضي عن التعليم.

وهنا يشير النقيب إلى أن ثلاثة أرباع البرنامج الدراسي قد أنجز ولم يتبق إلا الربع ويمكن إتمامه صيفًا. حتى الامتحانات الرسمية يمكن إيجاد طرق لإنجازها. وتبقى هذه المشاكل صغيرة أمام مستقبل البلد المجهول وما يضمر له”.

بحصة بتسند خابية

جهات أهلية عدة ومنظمات إنسانية محلية ودولية تحركت لدعم الطلاب الذين تركوا بيوتهم ومدارسهم من خلال تأمين الدعم النفسي لهؤلاء أو عبر تأمين الدعم المالي والخدمات الأساسية ليتمكنوا من متابعة دروسهم ولو بالحد الأدنى.

اليونيسيف، الـ UNHCR، اليونسكو والاتحاد الأوروبي ومعه دول شريكة مثل سويسرا، كلها منظمات عالمية عملت على المساعدة على عدم انقطاع النازحين عن التعليم من خلال تأمين الدعم اللوجستي لهم. كما قامت مؤسسات وجمعيات محلية بمبادرات مرنة وسريعة لضمان بقاء التلامذة في أجواء نفسية ومعيشية توفر لهم بيئة تعليمية تلبي احتياجاتهم.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق إسرائيل تتوعّد بـ”استفراد” لبنان بعد إيران
التالى اشتباكات بين “الحزب” والجيش الإسرائيلي في الخيام