أخبار عاجلة

أسقطوا دولة “الحزب” العميقة

أسقطوا دولة “الحزب” العميقة
أسقطوا دولة “الحزب” العميقة

كتب نجم الهاشم في “نداء الوطن”:

بعد قراري جلستي مجلس الوزراء في 5 و7 آب 2025 القاضيين بنزع سلاح “حزب الله” وقرار جلسة 2 آذار 2026 الذي اعتبر نشاطات “الحزب” الأمنية والعسكرية خارجة عن القانون وتستوجب الملاحقة، يبقى أن تنفذ السلطات المعنية القرارات التي تبدأ وتنتهي بمسألة واحدة أساسية وهي تفكيك دولة “حزب الله” العميقة التي لا تزال تتحكّم بالكثير من المواقع الأمنية والعسكرية والقضائية والإدارية داخل السلطة في لبنان. فهل حانت ساعة الحقيقة؟

غير مسألة سلاح “الحزب” وأذرعه الأمنية والعسكرية، بات المطلوب بشكل أساسي استعادة الدولة اللبنانية سلطة القرار ليس على مستوى السلم والحرب فقط بل على مستوى سائر القرارات السيادية التي تبدأ في الإدارات العامة وتنتهي في الأمن والمؤسسات العسكرية والقضائية.

حتى تصبح الدولة هي قوة الردع وصاحبة الهيبة، عليها أن تنزع من “الحزب” قوة الردع التي فرضها بالقوة عليها حتى صار يعتبر أنه صاحب القرار في كل الأمور، وأن هذا هو الأمر الطبيعي وكل خروج عليه يصبح خيانة وعمالة. من خلال هذه المعادلة التي تبناها “الحزب” يصبح رئيس الجمهورية جوزاف عون عميلًا لإسرائيل وأميركا وينفذ الأجندة الخارجية، ويصبح رئيس الحكومة نوّاف سلام صهيونيًا. وعلى هذا الأساس بات “الحزب” يدعو لإسقاط الحكومة والحكم والقيام بانقلاب داخلي ينهي مرحلة ما بعد انتخاب عون وتسمية سلام لتشكيل الحكومة. إنه مسار سار عليه “الحزب” منذ بدأ يرسِّخ دولته العميقة داخل الدولة اللبنانية إلى الحدّ الذي ألغى أي تأثير لها أو نفوذ منذ العام 1991 وقيام نظام الوصاية والاحتلال السوري الذي كان غطاءً للنظام الذي يقيمه “حزب الله” ويتبع مباشرة ولاية الفقيه في إيران.

وفيق صفا يهدّد

على طريق القضاء على قوة الردع الداخلي التي كان يشكلها “الحزب” ويطبّقها بالتزامن والتوازي مع ما كان يعتبر أنه قوة ردع وتوازن مع إسرائيل، ثمّة مشهد جديد بدأ يظهر على الساحة يجب أن يُبنى عليه. في 20 أيلول 2021 كان مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في “حزب الله” الحاج وفيق صفا يقتحم قصر العدل في بيروت ويهدّد بقبع المحقق العدلي في قضية تفجير مرفأ بيروت القاضي طارق البيطار الذي رفض استقباله. قبله ومعه وبعده شن أمين عام “حزب الله” السيد حسن نصرالله هجمات قاسية على البيطار وعلى التحقيق واعتبره مسيّسًا يخدم المصالح الأميركية والإسرائيلية. ولكن القاضي البيطار لم يهتز. بقي في موقعه متمتعًا بحصانة التسمية التي تولّى فيها التحقيق، وبحماية رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سهيل عبود، وهيبة المهمة التي وقف أمامها عاجزًا أيضًا رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل اللذان كانا يشكّلان مع العهد عدّة مكمّلة لبسط سيطرة “حزب الله” على السلطة وعلى الدولة ويعتبران أن بقاءهما على قيد الحياة السياسية يتأتى من الاستمرار في دعم “حزب الله” ودولته العميقة.

طارق البيطار يتهم

الجانب الآخر من هذا المشهد ظهر في 30 آذار 2026. بعد خمسة أعوام على تهديد الحاج وفيق صفا أنجز القاضي البيطار التحقيق العدلي وأحاله إلى النيابة العامة التمييزية لإبداء الرأي والمطالعة بالأساس وإعادة الملف إليه قبل أن يصدر القرار الاتهامي الذي لا يمكن مراجعته أمام أي هيئة قضائية وبالتالي تحال القضية برمّتها إلى المحاكمة أمام المجلس العدلي الذي يترأسه القاضي عبود الذي واجه من موقعه استقواء “الحزب” وعون وباسيل على القضاء. فقد فشلت كل محاولات إزاحة البيطار وتعيين محقق عدلي رديف محلّه. كما فشلت محاولة مدعي عام التمييز السابق غسان عويدات تطويق البيطار والإدعاء عليه متضامنًا مع سائر المدعى عليهم.

أظهرت هذه الوقائع أن سيطرة “الحزب” ومن معه على الدولة ليست قدرًا. وأن رجلًا واثقًا من نفسه ومن دوره يمكنه أن يقف في وجهه ويتحدّاه. إذا كان قاضٍ مكلّف بمهمة محددة استطاع أن يفعل ذلك فلا تعود هناك أعذار لمن هم في السلطة والحكم من رئيس الجمهورية إلى رئيس الحكومة والوزراء والإدارة العامة والمؤسسات الأمنية والعسكرية. فقد بات مطلوبًا إنهاء دولة “حزب الله” العميقة داخل الدولة الفاشلة وقلب الأدوار.

أحداث الطيونة مثلًا

قبل أن يُعرَف إذا كان القاضي البيطار حمّل “حزب الله” ومسؤولين محدّدين فيه مسؤولية تخزين أطنان نيترات الأمونيوم في مرفأ بيروت وادّعى عليهم، لا يمكن معرفة السبب الرئيسي الذي حمل “الحزب” على اتخاذ القرار بقبع البيطار وإقفال الملف والاكتفاء بالإدعاء ضد مجهول. ولا يمكن معرفة ما سيكون لدى النيابة العامة التمييزية من ملاحظات قانونية حول مضمون الملف. ولكن في هذا المجال يبقى القرار النهائي للقاضي البيطار الذي أخرج بهذه الإحالة الملف إلى التداول، وربما إلى العلن، حتى قبل أن يصدر قراره الذي يكون علنيًا. وبعد ذلك يمكن معرفة طبيعة ما أقدم عليه “الحزب” في التظاهرة التي قادها نحو العدلية في 14 تشرين الأول 2021 وأدّت إلى أحداث مخلّة بالأمن في منطقة الطيونة  تصدّى لها الجيش اللبناني بقوة وفعالية.

دولة “حزب الله” العميقة تحرّكت داخل القضاء لمتابعة هذه القضية في محاولة للإدعاء على رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع وعدد من المحازبين بتهمة التحريض والقتل. ولكن هذه المحاولة أُفشلت. الدولة العميقة تحرّكت أيضا لشلّ البيطار من خلال الدعاوى الكثيرة التي رُفِعت ضدّه واتهمته باغتصاب السلطة وانتحال الصفة ومن خلال تغطية قرار عدد من المدعى عليهم في رفض المثول أمامه. ولكن في النهاية تأخرت العدالة ولكنها لم تتوقف بل وصلت.

من تفجير الكنيسة إلى اغتيال الحريري

في تفجير كنيسة سيدة النجاة في 27 شباط 1994 تدخلت دولة “حزب الله” العميقة لتوجيه التحقيق نحو اتهام “القوات اللبنانية” واتخاذ القرار باعتقال رئيسها سمير جعجع وحلّ الحزب. على رغم أن المعلومات كانت وثقت تخطيط “الحزب” لتفجير عدد من الكنائس بعد تبادل التمثيل الدبلوماسي بين الفاتيكان وإسرائيل، وعلى رغم أن مدعي عام جبل لبنان وقتها، القاضي طربيه رحمة، أعلن من موقع التفجير عن مخطط تفجير الكنائس سحبت هذه الدولة العميقة كل ذلك من الملف. وتولّت الأجهزة الأمنية الخاضعة لـ “الحزب” والاحتلال السوري مسألة تغطية القرار بوسائل وأسماء رسمية.

دولة “حزب الله” العميقة تحرّكت بشكل مماثل مع قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري. ليس من الصحيح أن “الحزب” يمكن أن يكون أشرك بعض من كانوا يمثلون الغطاء لدولته في التخطيط والتنفيذ. فهو لا يمكن أن يُدخِل إلى شبكاته وأجهزته الأمنية أي عنصر من خارجها. مهمة الأجهزة الخاضعة له كانت في مسح آثار الجريمة ومنع التحقيق وإقفال الملف. لم يكن هذا الفعل مقتصرًا على قضية اغتيال الرئيس الحريري وحده بل تعدّاه إلى كلّ عمليات الاغتيال التي طالت قيادات من قوى 14 آذار ابتداء من اغتيال المفتي حسن خالد والرئيس رينيه معوض، وصولًا إلى اغتيال مسؤول القوات اللبنانية في عين إبل الياس الحصروني، والناشط المعارض لـ “الحزب” لقمان سليم.

بين السفير الإيراني والعميل الأوكراني

الأمثلة كثيرة على هيمنة دولة “حزب الله” العميقة على الدولة اللبنانية. من اغتيال الضابط الطيار سامر حنا إلى سائر الاعتداءات على القوات الدولية وغيرها من الجرائم وصولًا إلى القتال ضد المعارضين السوريين دعمًا للنظام السوري السابق. الدولة الرسمية تبقى نظريّة ولا يمكن أن تقوم في ظلّ تلك الدولة الحقيقية الممسكة بقرار الربط والحل والسلم والحرب. حتى تقوم الدولة الحقيقية يجب أن تؤمن بأنها دولة وأن تُسقط تلك الدولة العميقة وتتحرّر من عقدة الدونية. ما حصل في المحكمة العسكرية مع موقوفين تابعين لـ “حزب الله” كانوا ينقلون أسلحة وصواريخ وأُطلق سراحهم في المحكمة العسكرية بكفالة عشرة دولارات، يعني أن هذه الدولة العميقة لا تزال مستمرة. وما حصل ويحصل مع المتهم بالعمالة لإسرائيل خالد العايلي اللاجئ إلى السفارة الأوكرانية أحد الأمثلة على خضوع الدولة الرسمية للدولة العميقة. على السلطات اللبنانية أن تمسك بهذا العميل، وعليها أيضًا أن تمسك وتوقف من كانوا يعتقلونه في سجون “حزب الله” في الضاحية الجنوبية، لا أن تتعاطى مع هذه القضية وكأنّ ما فعله “الحزب” في هذا المجال يمكن أن يكون قانونيًا وجزءًا من التحقيق الرسمي. وعلى الدولة أيضًا أن تنفذ قراراتها المتعلّقة بنزع سلاح “الحزب” واعتباره خارجًا عن القانون، وأن تكون جازمة في مسألة طرد السفير الإيراني محمد رضا شيباني لأنه سفير حكمًا عند هذه الدولة الرسمية وليس عند دولة “حزب الله” العميقة.

لمنع الحرب الأهلية التي يهدّد بها “حزب الله” ومنع تنفيذه الانقلاب على العهد والحكومة، أَسقِطوا دولته العميقة قبل أن تُسقِطَكُم أو تجعلكم أدوات تابعة لها وحطبًا لنار إيديولوجيّته المقدّسة.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق رسالة خامنئي إلى قاسم: إعلان سياسي للداخل والخارج
التالى اشتباكات بين “الحزب” والجيش الإسرائيلي في الخيام