القطاع الخاص في سباق مع الانهيار

القطاع الخاص في سباق مع الانهيار
القطاع الخاص في سباق مع الانهيار

كتبت رماح هاشم في “نداء الوطن”:

تتعمّق تداعيات الحرب في لبنان يومًا بعد يوم، لتتجاوز بعدها الإنساني والأمني، وتضرب في صميم البنية الاقتصادية التي تعاني أصلًا منذ سنوات طويلة من الانهيار. مع كل يوم يمرّ، تتراكم الخسائر وتتسع رقعة الشلل، في مشهد يعكس هشاشة الواقع الاقتصادي وعجزه عن امتصاص صدمة بهذا الحجم.

لم تعد الأضرار محصورة في قطاعات محددة، بل تمدّدت لتطول مختلف مفاصل الإنتاج والاستهلاك، من السياحة إلى الصناعة، ومن التجارة إلى الزراعة، وسط تراجع حاد في الحركة الاقتصادية وتبدّل في أولويات الإنفاق لدى المواطنين. وبينما تتهاوى قطاعات الكماليات، تصمد القطاعات الحيوية بالكاد تحت ضغط الطلب المتزايد وظروف الإمداد المعقدة.

في موازاة ذلك، يرزح القطاع الخاص تحت عبء غير مسبوق، مع تضاؤل قدرته على الاستمرار في ظل غياب أي شبكة أمان فعلية، سواء من الدولة المنهكة أو من الخارج المتقاعس. ومع دخول الأزمة شهرها الثاني، بدأت ملامح الاختناق المالي تظهر بوضوح، خصوصًا على مستوى الرواتب واستمرارية المؤسسات.

أمام هذا الواقع، تتجه الأنظار إلى حجم الخسائر المتصاعدة وإلى قدرة الاقتصاد على الصمود، في ظل مؤشرات تنذر بمخاطر أكبر إذا ما طال أمد الحرب. وبين سيناريو التعافي السريع المشروط بوقف قريب للعمليات، واحتمال الانزلاق نحو أزمة أعمق، يقف لبنان أمام مفترق اقتصادي بالغ الحساسية.

خسائر بملايين الدولارات

في السياق، يؤكد رئيس تجمع الشركات اللبنانية، د. باسم البواب لـ “نداء الوطن”، أن كلفة خسائر الحرب اليومية تُقدَّر بنحو 100 مليون دولار وما فوق، موزعة بين حوالى 50 مليون دولار كأضرار مباشرة، ومثلها كأضرار غير مباشرة”.

ويشدّد على أن “القطاعات الأكثر تضررًا هي قطاعات الكماليات، في مقابل صمود نسبي لقطاعات الأغذية والأدوية والمحروقات، بل وتسجيل بعضها ارتفاعًا في حجم المبيعات، نتيجة اندفاع المواطنين نحو التخزين، سواء للأدوية أو للمواد الغذائية، في سلوك طبيعي تحكمه هواجس انقطاع السلع الأساسية في زمن الحرب. في المقابل، سجّلت قطاعات الكماليات، كالمفروشات والسيارات والإلكترونيات، انهيارًا حادًا وواضحًا في المبيعات”.

عرضٌ تقريبي للأرقام

في عرضٍ للأرقام، يلفت البواب إلى أن “قطاع السياحة تكبّد تراجعًا يتراوح بين 80 و85 %، بما يشمل المطاعم والفنادق، فيما انكمش قطاع تأجير السيارات بنسبة تقارب 90 %. كما أصيب القطاع الصناعي بانتكاسة كبيرة تراوحت بين 50 و60 %، نتيجة تعذر الوصول إلى مناطق أساسية كالبقاع والجنوب والضاحية، في حين سجّل القطاع التجاري تراجعًا بحدود 50 %”.

القطاع الزراعي

أما في القطاع الزراعي، فيحذر البواب من كلفة مرتفعة للغاية، مشيرًا إلى أن “الجنوب، الذي يشكّل نحو 20 % من الاستهلاك المحلي، بات خارج نطاق الوصول، إلى جانب تضرر غالبية مزارع الدواجن المتمركزة في تلك المناطق، وعجز المعنيين عن بلوغها”.

ويكشف أنه “بعد أكثر من 40 يومًا على اندلاع الحرب، قفزت الخسائر الإجمالية إلى ما يفوق 4 مليارات دولار، بين أضرار مباشرة وغير مباشرة، مع تسجيل ارتفاع يومي يُقدَّر بنحو 100 مليون دولار، تشمل كلفة البنى التحتية والأضرار في المباني وقطاعات الكهرباء والمياه، مؤكدًا أنه لم يعد هناك أي قطاع تجاري بمنأى عن التداعيات”.

رواتب العاملين

في ما يتعلّق برواتب العاملين، يوضح أن “الشهر الأول مرّ مع التزام الشركات بدفع الرواتب كاملة ومن دون تسجيل عمليات صرف، إلا أن المشهد في الشهر الثاني يتجه نحو مزيد من التعقيد، إذ بدأ بعض الشركات خفض الرواتب إلى 75 %، وأخرى إلى 50 %، فيما باتت شركات عاجزة عن الدفع كليًا، ما دفعها إلى منح موظفيها إجازات مدفوعة جزئيًا أو غير مدفوعة، بانتظار انتهاء الحرب وإعادة استدعائهم”. ويؤكد أن “قدرة القطاع الخاص على الصمود محدودة، إذ إن غالبية الشركات لن تتمكن من الاستمرار لأكثر من شهرين إلى ثلاثة أشهر في ظل الغياب التام لأي دعم خارجي”.

ماذا عن المغتربين؟

وعن أوضاع المغتربين، يلفت إلى أنها “لا تقل صعوبة، إذ اضطر عدد منهم، لا سيما في دول الخليج، إلى ترك أعمالهم”، مشيرًا إلى أن “هذه الحرب تختلف جذريًا عن سابقاتها، لكونها تمتد على مستوى المنطقة بأسرها، لا لبنان فقط”.

تداعيات خطيرة

ويحذر البواب من التداعيات الخطيرة على الاقتصاد، خصوصًا أن “القطاع الخاص منهك أصلًا بعد 6 إلى 7 سنوات من الانهيار والأزمات المتلاحقة، فيما تعاني الدولة من حالة إنهاك غير مسبوقة”.

ويقارن مع حرب عام 2006، حيث “كانت الدولة والقطاع المصرفي أكثر قدرة على المواجهة، وانطلقت ورشة إعادة الإعمار سريعًا بفضل توفر التمويل، في حين أن المساعدات اليوم لا تزال محدودة للغاية، إذ لم تتجاوز 15 % مقارنة بما تم تقديمه سابقًا، وفق ما أعلنه رئيس الحكومة نواف سلام”، واصفًا ذلك “بالمؤشر الكارثي”.

يضيف أن “الدولة تتحمّل حاليًا أعباء مالية هائلة، تشمل كلفة الإغاثة والنزوح، في ظل وجود نحو مليون و200 ألف نازح، بالتوازي مع تراجع الدعم الخارجي من مختلف الدول، ما يؤدي إلى استنزاف متسارع لاحتياطات مصرف لبنان”. ويحذر من أن “استمرار هذا المسار لأشهر طويلة، قد تصل إلى سبعة أشهر، من شأنه أن يهدّد استقرار سعر صرف الليرة، نتيجة تراجع قدرة المصرف المركزي على التدخل”.

آفاق التعافي

في ما خصّ آفاق التعافي، يرى البواب أن “وقف الحرب في المدى القريب قد يفتح نافذة لتعويض الخسائر خلال أشهر قليلة، لا سيما مع اقتراب موسم الصيف، في حال عودة المغتربين والسياح. أما في حال استمرارها، فإن التداعيات ستكون أشد قسوة، مع إلغاء أو تأجيل غالبية الأعراس والمهرجانات إلى شهري أيلول وتشرين، ما يفاقم من حالة الركود الاقتصادي ويؤخر أي مسار للتعافي”.

في المحصلة، تكشف هذه المؤشرات أن الاقتصاد اللبناني يقف على حافة مرحلة أكثر خطورة، حيث لم تعد الخسائر مجرد أرقام، بل تحوّلت إلى واقع يهدّد استمرارية المؤسسات وقدرة السوق على الصمود. ومع استمرار الاستنزاف وغياب أي تدخل فعّال أو دعم خارجي كافٍ، تتقلّص هوامش المناورة أمام القطاع الخاص، فيما تتسارع وتيرة الانهيار بشكل قد يصبح من الصعب احتواؤه في ما لو طال أمد الحرب.

في النتيجة، يبقى المسار مفتوحًا على احتمالين متناقضين: إمّا وقف سريع للحرب يعيد تحريك عجلة الاقتصاد ولو تدريجيًا، مستفيدًا من أي فرصة موسمية كفصل الصيف، وإمّا استمرار الأزمة بما تحمله من تداعيات أعمق قد تطول الاستقرار النقدي والاجتماعي على حد سواء. وبين هذين المسارين، تبدو الحقيقة الأكثر وضوحًا أن كل تأخير إضافي سيُضاعف الكلفة ويجعل التعافي أكثر تعقيدًا وأطول أمدًا.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق الراعي في جزين… حيث ذاكرة الصمود والدور
التالى اشتباكات بين “الحزب” والجيش الإسرائيلي في الخيام