مؤتمر بيروت: إجماع سياسي على تثبيت عاصمة آمنة تحت سلطة الدولة

مؤتمر بيروت: إجماع سياسي على تثبيت عاصمة آمنة تحت سلطة الدولة
مؤتمر بيروت: إجماع سياسي على تثبيت عاصمة آمنة تحت سلطة الدولة

ليست لغة الهلع التي استبقت فيها جريدة الحرس الثوري الإيراني”مؤتمر بيروت مدينة آمنة وخالية من السلاح” لوثة طارئة انتابت المدافعين عن السلاح غير الشرعي والحواريين الدائرين في أفلاكهم. فكلّ المُقدّمات المنطقية كانت تؤكّد أن لحظة حقيقة سوف تأتي بين العاصمة والخارجين عن القانون فيها. وكما تخوّف الممانعون تمامًا، جاء المؤتمر كنقطة تحوّل سياسية كُسر عندها السقف التقليدي للنقاش حول السلاح في العاصمة، وعكس نضجًا سياسيًا لافتًا لدى نوابها الذين نجحوا في صياغة موقف متوازن يجمع بين الحزم السيادي والمقاربة المسؤولة.

لم تغادر بيروت لحظة “الثأر لخامنئي” بعد. لحظة غدر بها “حزب الله” لبنان كله، وضمنًا حلفاءه، وبينهم من استثمر الفجيعة ليحشر بيروت في زاوية الأمر الواقع حتى وصل الأمر لتجاوزات في الأمن. لذا وخلافًا لما عوّل عليه من تخفيفٍ ما للنبرة، برز داخل المؤتمر توجّه غالب نحو رفع السقف السيادي، حيث شدّد عدد من النواب على أن أي حديث عن أمن بيروت يبقى فارغًا ما لم يُترجم بخطوات عملية لنزع السلاح غير الشرعي، وفي مقدّمه سلاح “حزب الله”، واتفق الجميع على دعم رئيس مجلس الوزراء القاضي نواف سلام.

البيان الختامي لم يكتفِ بالعموميات، بمشاركة معظم الفرقاء اللبنانيين، باستثناء نواب “حزب الله” و “حركة أمل” و “الجماعة الإسلامية” التي وافقت وحيدة بين الثلاثة رغم عدم حضور ممثلها في المؤتمر. وأعاد البيان التأكيد بوضوح على حصرية السلاح بيد الدولة، مقرونًا بالدعوة إلى إجراءات تنفيذية عاجلة، تشمل انتشارًا أمنيًا شاملًا وتدابير استثنائية قد تصل إلى إعلان حالة تعبئة لضبط الواقع المسلح. كما سقطت محاولات الالتفاف على جوهر الأزمة تحت عناوين “تجنب الاستفزاز”، ليبرز خطاب مباشر يحمّل السلاح غير الشرعي مسؤولية تقويض الدولة وتعريض العاصمة وسائر المناطق لمخاطر أمنية كبرى. وفي هذا السياق، شكّل المؤتمر غطاءً سياسيًا صريحًا للحكومة ورئيسها للمضي قدمًا في تنفيذ قرارات بسط السيادة، من دون أي تردّد أو مساومة.

وما محاولات تصوير المؤتمر كمحطة مُفرغة من مضمونها إلا حملة مكشوفة لإجهاض لحظة سيادية نادرة في العاصمة. فالحقيقة أبسط وأوضح، كسر نواب بيروت الخط الأحمر، ووضعوا للمرة الأولى إطارًا سياسيًا جامعًا يقول بلا التباس أن لا سلاح إلا سلاح الدولة. وبصوت جامع للمتناقضين في السياسة على مختلف توجهاتهم، كَرّست عملية ضبط واعٍ للخطاب حتى يكون قابلاً للتحوّل إلى قرار. الفارق كبير بين شعبوية ترفع السقف بلا قدرة على التنفيذ، وبين موقف سياسي يضع السلاح غير الشرعي تحت مجهر الدولة، ويفتح الباب أمام خطوات عملية لضبطه… وهذا تحديداً ما حصل.

صمد نص البيان الختامي بدقته بين تجمع نواب عاصمة مثل بيروت، بكل تناقضاتها من اليمين إلى اليسار، ومن السيادي إلى البراغماتي فرُفع السقف حيث يجب، وخفّضت حدّة التعبير حيث يلزم، لضمان مرور الرسالة الأساسية وتثبيتها بسلاسة. كل بند في البيان كان موجهًا نحو تثبيت مرجعية واحدة وهي الدولة. والمصطلحات دارت حول حصرية السلاح، حصر قرار الحرب والسلم، انتشار أمني شامل، تدابير استثنائية، حماية المؤسسات، ومنع أي مظاهر مسلّحة، كخارطة طريق واضحة لوضع حدّ لواقع الشذوذ الأمني في بيروت.

أما الادعاء بأن خفض السقف جاء منعًا للفتنة، فهو في حدّ ذاته اعتراف بأن السلاح الخارج عن الدولة بات يُستخدم كفزاعة لإسكات أي نقاش سيادي. أما محاولات التشويه التي استهدفت بعض الداعين إلى المؤتمر، فهي جزء من معركة أوسع، وبكل وضوح وشفافية، كُتبَت بهدف ضرب أي قيادة سنيّة أو بيروتية تحاول إعادة موقع العاصمة ضمن مشروع الدولة، لا ضمن محور السلاح والدولة العميقة.

وما بيروت إلا اختبار يومي لوجود الدولة من عدمه. وفي كلمة له، أكّد النائب فؤاد مخزومي أن بيروت “تستحق أن نحميها معًا، فهي كانت وستبقى مدينة جامعة تحتضن جميع أبنائها”، معتبرًا أنّ ما عُرف بـ “الأربعاء الأسود” شكّل جرس إنذار جديًا يكشف حجم التحديات التي لا تزال تهدّد استقرار العاصمة. ودعا إلى انتشارٍ شامل للجيش في مختلف شوارع بيروت، وتعزيز الحواجز الشرعية وتفعيل الرقابة الأمنية على نحوٍ فعلي، مشددًا على أن قيام الدولة لا يكتمل إلا بحصر السلاح بيدها “من دون أي استثناء”. كما أكد ضرورة اتخاذ كل التدابير الكفيلة بضبط الأمن، وصولًا إلى إعلان التعبئة العامة إذا دعت الحاجة، ضرورة وجودية لإعادة بناء الدولة انطلاقًا من عاصمتها.

بدوره، أكد عضو حزب “القوات اللبنانية” النائب غسان حاصباني، أن الاجتماع يعكس موقفًا وطنيًا نابعًا من مسؤولية تمثيل أهل بيروت، مشددًا على دعم قرارات الدولة المتعلقة ببسط سلطتها الكاملة، ومصادرة السلاح غير الشرعي، واعتبار أي نشاط عسكري خارج إطار الشرعية تهديدًا مباشرًا لأمن العاصمة واستقرارها. ولفت إلى أن مخاوف اللبنانيين مبرّرة في ظل تداعيات الحرب التي فُرضت عليهم، داعيًا إلى منع تكرار هذه التجارب الأليمة.

كذلك، شدّد عضو كتلة حزب “الكتائب اللبنانية” النائب نديم الجميّل على أن لبنان لم يعد ورقة تفاوض في يد أي جهة خارجية، داعيًا إلى التنفيذ الحازم لقرارات الحكومة، ونشر الجيش على كامل الأراضي اللبنانية انطلاقًا من بيروت، بما يكفل حماية المواطنين ويعزز سيادة الدولة.

بيروت أعلنت موقفها بوضوح، لا أمن مع السلاح الخارج عن الدولة، ولا سيادة من دون قرار واحد للحرب والسلم بيد لبنان… كسر المحرّم أهم من حسم المعركة.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق “الوفاء للمقاومة”: التفاوض المباشر مع إسرائيل خطوة خطيرة
التالى اشتباكات بين “الحزب” والجيش الإسرائيلي في الخيام