أخبار عاجلة

هل يقف لبنان أمام النموذج الأخطر؟

هل يقف لبنان أمام النموذج الأخطر؟
هل يقف لبنان أمام النموذج الأخطر؟

كتب خضر نجدي في “نداء الوطن”:

لم يعد الحديث عن الحرب الدائرة في لبنان ، المتصاعدة بوتيرة لم تشهد عليها التجارب السابقة البعيدة والقريبة، بدءًا من المواجهات مع المقاومة الفلسطينية واللبنانية، وصولًا الى المقاومة الاسلامية، يقتصر على موازين القوى العسكرية أو حجم الخسائر المتبادلة والمتباينة بين طرفي المواجهة، بل بات يتطلب قراءة أعمق للتحولات التي طرأت على العقائد العسكرية والسياسية التي تحكم إدارة الصراعات. وفي هذا السياق، يبرز سؤال جوهري: لماذا يستمر النقاش اللبناني والعربي عند حدود ما يُعرف بـ”عقيدة الضاحية”، فيما يجري القفز فوق نموذج أكثر وضوحاً وأكثر خطورة يتمثل بما يمكن تسميته “عقيدة غزة”؟

عقيدة الضاحية، كما جرى توصيفها منذ حرب تموز 2006، تقوم على استخدام قوة نارية هائلة وتدمير واسع للبنى التحتية والمناطق المدنية بهدف رفع كلفة المواجهة على البيئة الحاضنة للخصم وفرض معادلات سياسية وأمنية جديدة. إلا أن ما شهدته غزة منذ اندلاع الحرب الأخيرة تجاوز إلى حد بعيد هذا المفهوم. فالمسألة لم تعد مجرد تدمير مكثف أو ضغط عسكري مؤقت، بل تحولت إلى نموذج متكامل لإعادة تشكيل البيئة السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي يعيش فيها السكان، عبر استنزاف طويل الأمد يطال البشر والمؤسسات والبنى التحتية ومقومات الحياة اليومية.

من هنا تبدو “عقيدة غزة” أكثر تعبيرًا عن طبيعة المخاطر التي قد تواجه لبنان مستقبلاً من عقيدة الضاحية نفسها. فغزة لم تعد مجرد ساحة قتال، بل تحولت إلى مختبر عملي لإدارة حرب طويلة تستهدف إضعاف المجتمع بأكمله، وليس فقط القوة العسكرية التي تواجه الاحتلال، وإذا كان الهدف المعلن هو القضاء على القدرات العسكرية للخصم، فإن النتائج الفعلية تمتد إلى الاقتصاد والتعليم والصحة والبنية السكانية والاستقرار الاجتماعي والسياسي.

عند المقارنة بين غزة ولبنان تظهر أوجه شبه مقلقة. ففي الحالتين، تعتمد إسرائيل على رفع الكلفة البشرية والمادية إلى أقصى الحدود، وتستخدم الضغط العسكري المتواصل باعتباره وسيلة لتحقيق أهداف سياسية تتجاوز الميدان. كما أن استهداف البنى التحتية والمرافق المدنية لم يعد حدثًا استثنائيًا، بل أصبح جزءًا من إدارة الحرب نفسها.

اختلاف التجربتين أشد خطرًا من أوجه الشبه

غير أن الفوارق بين الساحتين لا تقل أهمية عن أوجه التشابه. في غزة، كانت إسرائيل تتعامل مع سلطة أمر واقع واحدة هي حركة حماس، التي تمسك بالقرارين الأمني والعسكري داخل القطاع. ولذلك كان التفاوض، المباشر أو غير المباشر، يتم مع الطرف نفسه الذي يقاتل على الأرض. أما في لبنان، فإن المشهد أكثر تعقيدًا. فالدولة اللبنانية هي الجهة المعترف بها دوليًا والمخولة التفاوض باسم البلاد، بينما القوة العسكرية الأساسية المنخرطة في المواجهة جنوباً هي حزب الله. وهنا تنشأ فجوة سياسية وأمنية تمنح إسرائيل هامشاً واسعاً للمناورة والاستثمار.

هذه الازدواجية بين من يقاتل ومن يفاوض تخلق ثغرات تحاول إسرائيل استغلالها باستمرار. فهي تخاطب المجتمع الدولي والدولة اللبنانية باعتبارها الجهة المسؤولة عن تنفيذ الالتزامات والقرارات الدولية، فيما تبرر عملياتها العسكرية بأنها تستهدف الحزب وحلفاءه الإقليميين. وبين هذين المستويين يتحمل المجتمع اللبناني بأكمله الأثمان الاقتصادية والإنسانية والعمرانية للحرب.

والأخطر أن استمرار هذا الواقع قد يسمح بتطبيق تدريجي لعناصر من “عقيدة غزة” على لبنان، ليس بالضرورة عبر استنساخ التجربة حرفيًا، وإن كانت بعض مظاهرها لناحية الابادة الكاملة للبشر والحجر ماثلة بقوة، بل عبر توسيع دائرة الضغوط على البيئة المدنية ورفع كلفة إعادة الإعمار واستنزاف الدولة ومؤسساتها ومواردها المالية. فعندما تصبح كلفة البقاء والصمود أكبر من قدرة المجتمع على الاحتمال، يتحول الضغط على السكان إلى جزء من أدوات الحرب، تماماً كما يتحول الدمار إلى وسيلة تفاوض غير معلنة.

عقيدة غزة الماثلة

إن استشراف المخاطر لا يعني التنبؤ الحتمي بما سيحدث، بل قراءة المؤشرات قبل تحولها إلى وقائع. وما يجري في غزة اليوم يجب أن يُقرأ في لبنان ليس بوصفه حدثاً منفصلاً أو حالة استثنائية، بل باعتباره نموذجاً قيد الاختبار لما يمكن أن تصبح عليه الحروب المقبلة في المنطقة. فالسؤال لم يعد ما إذا كانت عقيدة الضاحية لا تزال قائمة، بل ما إذا كانت قد تطورت إلى عقيدة أشمل وأقسى تقوم على إنهاك المجتمعات بأكملها وتحويلها إلى ساحة ضغط مستدام لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية بعيدة المدى.

وفي خضم هذا الواقع تبرز مفارقة استحضار كثير من الحجج التي تُستخدم غالباً في مواجهة أي حديث عن المخاطر أو الخسائر، تستند إلى أمثلة تاريخية من حروب كبرى شهدت تضحيات هائلة قبل الوصول إلى نتائج اعتُبرت لاحقاً انتصارات. فيُستحضر دمار ستالينغراد الكامل تقريباً قبل الانتصار السوفياتي، وخسائر فيتنام البشرية الضخمة قبل انسحاب الولايات المتحدة، والخراب الذي أصاب معظم المدن الأوروبية خلال الحرب العالمية الثانية. غير أن استحضار هذه النماذج لا يعفي من طرح الأسئلة الضرورية حول الواقع الراهن. فالتاريخ لا يقدم وصفات جاهزة، بل يقدم تجارب تستوجب المقارنة الدقيقة بين أوجه الشبه وأوجه الاختلاف. وما كان ممكناً لدول تمتلك عشرات الملايين من السكان، واقتصادات صناعية كبرى، وتحالفات دولية واسعة، قد لا يكون قابلاً للاستنساخ في دول صغيرة تعاني أصلاً من أزمات اقتصادية وديموغرافية ومؤسساتية عميقة. لذلك فإن استدعاء أمثلة الانتصارات التاريخية لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لإسكات النقاش حول الكلفة والمخاطر، بل إلى دافع لإجراء مقارنة علمية وواقعية بين الشروط التي أنتجت تلك التجارب والشروط القائمة اليوم.

غير أن النقاش لا يكتمل من دون التوقف عند إشكالية شديدة الحساسية تتعلق بكيفية مقاربة الخسائر والآلام التي تنتجها الحروب. فهل يصبح الحديث عن الأثمان البشرية والمادية نوعاً من الإحباط أو خدمة مجانية للمعتدي كما يروّج البعض؟ وهل يجوز الاستمرار في الركون إلى سردية تدعو إلى تحمّل المعاناة والخسائر بصمت، تحت وطأة الحياء الأخلاقي الذي يرافق تشييع الشهداء وتوديع الضحايا؟ أم أن الأمر تجاوز هذه المرحلة بعدما تحولت الخسائر إلى واقع متكرر ومتصاعد يفرض نقاشاً وطنياً مسؤولاً حول جدواها وحدودها وآفاقها؟

إن احترام تضحيات الضحايا لا يتعارض مع حق المجتمع في التساؤل عن المخاطر المقبلة، بل إن تجاهل هذه الأسئلة قد يؤدي إلى نتائج أكثر خطورة.

ومن هنا تبرز مسؤولية القوى السياسية اللبنانية كافة، والدولة على وجه الخصوص، في بناء رؤية موحدة لكيفية التعامل مع المخاطر المقبلة. فالتجارب التاريخية تثبت أن الانقسامات الداخلية، مهما كانت مبرراتها، تتحول في زمن الحروب إلى نقاط ضعف تستثمرها القوى الخارجية. أما المجتمعات التي تنجح في تضييق الفجوة بين القرار السياسي والواقع الميداني، فتكون أكثر قدرة على الحد من الخسائر ومنع خصومها من تحويلها إلى رهينة لحروب الاستنزاف الطويلة، فهل يعي حزب الله هذه المعادلة، فيذهب الى تقوية مسار الدولة خلال التفاوض، والتعلم من ثغرات تفاوض غزة المستمرة مفاعيل حربها الكارثية منذ ثلاث سنوات؟

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق الجيش الإسرائيلي يوسّع عملياته البرية جنوب لبنان!
التالى سباق بين التفاوض والتصعيد… والحصار يشتد على “الحزب”