الارشيف / محليات

جلسة غير مسبوقة لمجلس النواب اليوم... جدول حول دستوريتها فكيف ستسير الأمور؟

حبس أنفاس يسيطر على المشهد السياسي اللبناني بانتظار ما ستؤول اليه الأوضاع الأمنية اليوم في ضوء دعوة مجلس النواب الى اجتماع لمناقشة مشروع موازنة 2020 واقراره، على وقع اعتراضات دستورية لوجود حكومة جديدة لم تنل الثقة بعد، ولم تحضر هذا المشروع، بل ورثته عن الحكومة المستقيلة، ولم تطلع عليه أو تناقشه، وفي ظل اصرار الرئيس نبيه بري على عقد الجلسة.

واذا كانت الموازنة حاجة ضرورية لانتظام العمل في المؤسسات، وهي تتضمن" خطوات تهم المواطنين، منها رفع الضمان على الودائع من 5 ملايين ليرة الى 75 مليون ليرة، الأمر الذي يطاول 86 في المئة من اللبنانيين، وتسقط التعقبات عن المتعثرين في القروض السكنية والصناعية والزراعية والسياحية والبيئية حتى نهاية حزيران، وتمدد مهلة الاعفاءات على الغرامات ستة أشهر، كما ترصد 25 مليار ليرة لتثبيت عناصر الدفاع المدني، وتؤمن الاعتمادات اللازمة بقيمة 12 ملياراً لـ 12 ألف مضمون اختياري للدواء والاستشفاء" فإن المشكلة تكمن في الأرقام الوهمية، فعلى رغم خفض لجنة المال والموازنة 800 مليار من المشروع الوارد من الحكومة، وفرض الرقابة على القروض والهبات، وتحويل أموال شركتي الخليوي والمرفأ مباشرة الى خزينة الدولة، ما يسمح بوقف الهدر في هذا المجال، فإن الخفض في الواردات سيبقي التحدي قائماً ويزيد الازمة تفاقماً. وستكون الأرقام التي بنيت عليها الموازنة غير موجودة، في رأي الباحث الاقتصادي معن برازي، وستحلّ مكانها أرقام جديدة لا علاقة لها بالأرقام القائمة، بحسب "النهار".

مشهد غير مسبوق
حتى ساعات الليل المتأخرة، كانَ لا يزال الجدال بشأن دستورية الجلسة قائماً، وكانت هناك آراء كثيرة حول إشكالية حضور حكومة دياب، لكونها ليسَت هي من قدّم الموازنة في المجلس، وبالتالي لا يُمكن أن تكون في موقع المسؤول عمّا تضمنته من أرقام، أو تنفيذ السياسات التي وعدت بها. كذلك أطلِقَت السهام على موقف رئيس المجلس وإصراره على عقد الجلسة وعدم تأجليها الى ما بعد جلسة الثقة، علماً بأن ما قامَ به برّي، على حد وصف مصادره لـ"الأخبار"، لا يعدو كونه تطبيقاً للدستور الذي يلزمه بإرسال الموازنة الى الهيئة العامة، تفادياً للعودة الى الصرف على قاعدة الإثني عشرية، علماً بأن هذا الأمر سبقَ أن حصل في شهر كانون الثاني 2019، حينَ حسمت هيئة مكتب مجلس النواب موقفها بشأن ضرورة إقرار قانون يجيز للحكومة الصرف والجباية على أساس القاعدة الإثني عشرية، بصرف النظر عن تأليف الحكومة من عدمه.

وسواء انعقدت جلسة الموازنة بفضل الإجراءات القاسية التي اتخذتها القوى الأمنية والجيش، أو لم تنعقد تحت ضغط الشارع والانتفاضة التي ترفض الاعتراف بالحكومة والمجلس الذي سيمنحها الثقة، فإن المشهد الذي سيكون عليه المجلس النيابي اليوم وغداً، لم يسبق ان تعود عليه أو واجهه من قبل، سواء في الشكل حين ستكون ساحة النجمة منطقة معزولة بالكامل عن العاصمة، محاطة بجدران دعم اسمنتية عند كل البوابات المؤدية إليها، أو بالنسبة إلى المضمون، حيث يفترض ان يدور جدل حول دستورية الجلسات في ظل حكومة لم تنل بعد ثقة المجلس، ولا دور لها في ما سيناقشه النواب بالنسبة لمشروع موازنة لا علاقة لها به، وليست مسؤولة عن شيء لم تضعه، ولا قدرة لها على استرداده أو تعديله، أقله قبل نيلها الثقة، أي ان وجودها في المجلس سيكون فقط بصفة "مراقب" لا أكثر ولا أقل.

وشددت مصادر دستورية لـ"نداء الوطن" على أنّ ما يحصل هو "بدعة موصوفة" سواءً لناحية مثول حكومة جديدة أمام البرلمان قبل حيازتها ثقته، أو لجهة تبنيها مشروع موازنة لم تشارك في إعداده، موضحةً أنّ هذه الحكومة الحالية إنما تعمد إلى تبني أرقام أصبحت بمعظمها "وهمية" نتيجة تبدّل المعطيات والتوقعات على مستويي الإيرادات والنفقات وبالتالي كان لا بدّ من أن يصار إلى استرداد المشروع القديم ووضع موازنة جديدة تتماشى مع المستجدات والمتغيرات المالية المتسارعة منذ ما بعد 17 تشرين الأول.

وفي تقدير مصادر نيابية لـ"اللواء"، ان مجمل هذا المشهد سيضع المجلس النيابي اليوم امام حالة مزدوجة لم تمر في سجله البرلماني، حكومة استقالت بعد ان احالت لديه مشروع موازنة، يفترض دستورياً إقراره ضمن المهلة الدستورية، وليس من هروب من هذا الاستحقاق، وحكومة لم تنل الثقة ويفترض بها ان تتبنى أو ان تدافع عن موازنة لم تشارك في وضعها، ولا حتى لها علاقة به، لكن عملية التشريع تحتاج، بحسب الدستور لوجود حكومة، سواء كانت كاملة المواصفات الدستورية، أو تصريف أعمال، ومن هنا، فإن لا مناص من إقرار أو التصديق على الموازنة في نهاية مطاف الجلستين، في حال كتب لهما ان تنعقدا، الا ان حضور الحكومة هو الذي سيخلق الجدل الدستوري، بالإضافة إلى عمليات كر وفر بين الفريق الذي كان في حكومة الرئيس سعد الحريري والتي استقالت تحت ضغط الشارع، ويفترض به ان يدافع عن الموازنة، وان كان لم يعد مسؤولا عنها، وبين من هو ممثّل في الحكومة بأوجه مختلفة ومهما كانت التسميات، والذي عليه ان يتبنى الموازنة ولو كان غير مقتنع بها، وليس مسؤولاً عن ارقامها، لكن عليه ان يدافع بدوره عن دستورية التشريع في ظل حكومة تصريف أعمال، وهو ما كان يردده دائماً الرئيس نبيه برّي بمقولة: "المجلس سيّد نفسه"، ولا شك ان لديه المخارج الدستورية التي سبق ان ناقشها سواء في هيئة مكتب المجلس أو مع رئيس الحكومة حسان دياب، باعتبار ان مشاركة الحكومة في الجلسة هي الخيار الأنسب، على أساس انها حكومة تصريف أعمال.

وجهات نظر
وفي هذا السياق، اوضحت مصادر مطلعة لـ"اللواء" انه في قراءة مشتركة للمواد 16 و64 و69 من الدستور يتبين من دون شرح مفصل انه بإستطاعة مجلس النواب مناقشة الموازنة في ظل حكومة تصريف اعمال. وان المجلس الذي اناط به الدستور وحيداً من دون سائر السلطات سلطة التشريع يستطيع ان يشرع، علما ان التشريع الأساس يبقى صك الموازنة لكن يحق ان يكون للحكومة دور في صك الموازنة، ولها الدور الأساس في اقرار مشروع الموازنة بأكثرية الثلثين.

وقالت انه من المواضيع الأساسية على ما نصت عليه المادة 65 من الدستور، ولكن يبقى انه صك تشريعي بامتياز، وصحيح ان حكومة الرئيس حسان دياب لم تنل الثقة وهي حكومة تصريف اعمال يبقى لها ان تمثل ولها الحق في ذلك وان تتبنى مشروع الموازنة او حتى ان تطلب تأجيل البحث في قانون الموازنة من دون استرداده كون الأسترداد يحتاج الى ما يسمى بحكومة مكتملة الأوصاف الدستورية بمجرد نيلها الثقة.

ورأت المصادر نفسها ان كل الكلام عن ان الجلسة غير دستورية هو كلام لا يقع في موقعه الصحيح.

وقالت مصادر المجلس النيابي لـ"اللواء" ان الحكومة الجديدة ستحضر هي جلسات المناقشة، وان رئاسة المجلس تستند في عقد الجلسات الى الفقرة الثانية من المادة 64 من الدستور، التي تتعلق بتصريف الاعمال بالمعنى الضيق للحكومة الجديدة لحين نيلها الثقة، وان الظروف الاستثنائية تفرض التوسع قليلا في تصريف الاعمال بحيث تجري مناقشة الموازنة في حضور الحكومة الجديدة، لا سيما وإن الموازنة، وبحسب نصوص الدستور، استحقاق دستوري لا يجوز التلاعب بموعده، فكيف اذا اصبحت المهلة ضيقة او منتهية دستورياً؟ 

الحل ممكن
وتتمثل المعضلة الأهم التي تواجه الموازنة في تبدل المعطيات المالية التي على أساسها جرى إعداد مشروع الموازنة في حكومة الرئيس سعد الحريري المستقيلة، وهو ما يستوجب، بحسب مصادر سياسية، استردادها من قبل الحكومة الجديدة برئاسة حسان دياب وإجراء تعديلات عليها قبل أن تحيلها مجدداً إلى مجلس النواب، وهو ما لم يحدث. وأوضحت المصادر أن الحريري قبل تشكيل الحكومة الجديدة كان بوارد استرداد الموازنة قبل مناقشتها في مجلس النواب لإجراء التعديلات، مشيرة إلى أنها وُضِعت على قياس الاستجابة لمؤتمر "سيدر" لجهة تخفيض العجز بمساهمة من مصرف لبنان والمصارف التجارية الأخرى.

لكن التطورات المالية والاقتصادية بعد 17 تشرين الأول الماضي، وهو تاريخ اندلاع "الانتفاضة" اللبنانية، بدّلت في المعطيات المالية، حيث لم يعد الوضع النقدي للمصارف ومصرف لبنان يتيح بالمساهمة التي كانت مرصودة في مشروع الموازنة قبل 17 تشرين الأول. هذا العامل الطارئ، يُضاف إلى تراجع واردات الدولة إلى نسبة تتخطى الـ40 في المائة، وهو ما يلزم الدولة إجراء تخفيضات إضافية عما كان وارداً في مشروع الموازنة الذي يدرسه البرلمان اليوم.

نصاب متوفر
أما من ناحية شق الإجراءات المتعلقة بالجلسة، فمن المرتقب ان تثير كل هذه الاشكالات الدستورية نقاشات حامية خلال الجلسة، لكن المصادر قللت من احتمالات عدم إقرار الموازنة، باعتبارها اكثر من ضرورة لإنتظام العمل المالي والاداري، والبدء بتسيير مرافق الدولة ومشاريعها ودفع مستحقاتها.

وأكدت المصادر ان كل التدابير والإجراءات الامنية اتخذت لتأمين طرقات وصول النواب الى المجلس ومداخل ومخارج ساحة النجمة، وقررت قوى الامن الداخلي اجراءات لعزل محيط ساحة النجمة. كما ان نصاب الجلسة سيكون متوافراً من الكتل التي سمّت الرئيس حسان دياب لتشكيل الحكومة، عدا عن ان كتلتي "المستقبل" و"اللقاء الديموقراطي" اتصلتا بدوائر المجلس وطلبتا تسجيل كلمات لإعضاء فيهما، ما يعني انهما ستحضران الجلسات. اما بالنسبة لكتلة الجمهورية القوية (القوات اللبنانية) فهي لم تتصل بدوائر المجلس حتى مساء امس الاحد. لكن "اللواء" علمت ان الكتلة عقدت اجتماعاً مساء امس استمر حتى ساعة متأخرة قررت على اثره حضور الجلسات لفتح نقاش حول دستورية الجلسات.

وفي سياق متصل، تحدث معلومات لـ"الشرق الأوسط" عن أن هناك اتجاهاً لدى رئيس مجلس النواب نبيه بري لإقرار الموازنة في جلسات ماراثونية تنتهي في يوم واحد وإقرار الموازنة في ختامها بدلاً من يومين، مشيرة إلى اجتماع عقده بري مساء الجمعة الماضي بعيداً عن الأضواء مع رئيس الحكومة حسان دياب جرى خلاله نقاش وتقويم للمسار المرتبط بإقرار الموازنة.

الشارع يتحرك
في الموازاة، دعت مجموعات في الانتفاضة الى تجمعات اليوم في عدد من المناطق وخصوصاً في وسط بيروت للاعتراض على مشروع الموازنة وعلى الجلسة ككل.

الحكومة تواجه الشارع
في المقابل، بدا ان الحكومة حسمت أمرها بقرار منع اقفال الطرق، وصدر القرار بعدم السماح لأي مجموعات بعرقلة انعقاد جلسة اليوم. وبعدما كان مقرراً الجمعة الماضي ان تتولى القوى الامنية المختلفة ما عدا الجيش تنفيذ خطة لحماية الجلسة والواصلين اليها، صدر بيان مفاجئ مساء أمس عن قيادة الجيش يحذّر فيه من قطع الطرق ويسمح بالاعتراض والاعتصام في الساحات العامة فقط، في ما بدا اغراقاً للمؤسسة التي حاولت مراراً تجنب المواجهة مع الناس، في المهمة الامنية لضمان عدم فشلها، وتجنباً اضافياً لاتهامها بغض النظر عن بعض الحراك.

وفي هذا الإطار، علمت "الأخبار" أن قائد الجيش العماد جوزف عون وعد الرئيس بري بتأمين إبقاء الطرقات مفتوحة، كذلك ستكون العين على الحضور النيابي، وإمكان أن تتمدّد المقاطعة إلى خارج "الكتائب" و"القوات" وبعض النواب "المستقلين".

البيان الوزاري
في هذا الوقت تواصل لجنة صياغة البيان الوزاري اجتماعاتها اليوم في السرايا الحكومية وفي السياق، وعلم من مصدر مقرّب من الرئيس دياب لـ"اللواء" انه ينوي الاستعانة بعدد من المستشارين بينهم بعض الوزراء السابقين وقد باشر الاتصال بهم لاستمزاج آرائهم للعمل إلى جانبه، على ان يتولى كل مستشار ملفاً متكاملاً عن المواضيع التي تهتم بها الحكومة ليضع ملاحظاته عليه ويقترح أفكاراً للحلول المطروحة له ومتابعته حتى النهاية، على ان يكون لهم مكاتب في السراي، وعرف منهم الوزيران السابقان زياد بارود ومروان شربل.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا