Advertisement
ولعلّ الاصطفاف الإسرائيلي العلني إلى جانب الأرجنتين، وخصوصاً خلف ميسي، سرعان ما غيّر المزاج المحيط بالمباراة. ومع توالي مواقف شخصيات إسرائيلية بارزة داعمة للمنتخب الأرجنتيني، تجاوز الانقسام حدود التشجيع الكروي، وبدأت السياسة تفرض نفسها على خيارات الجمهور. فالمباراة التي جمعت منتخبين يتنافسان على اللقب، حملتها المواقف الإسرائيلية إلى مواجهة رمزية لم يخترها اللاعبون ولا المشجعون، لكنها فرضت على كثيرين إعادة تحديد موقعهم منها وفق حسابات لا علاقة لها بكرة القدم.
وزاد من حساسية هذا الاصطفاف التقارب الوثيق بين الحكومة الإسرائيلية والرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، الذي اتخذ منذ وصوله إلى السلطة مواقف شديدة الانحياز لإسرائيل، ما منح الحفاوة الإسرائيلية بالأرجنتين دلالة سياسية أكبر في الوعي الشعبي، وجعل الموقف من المباراة يتأثر بصورة متزايدة بالخلفية السياسية المحيطة بها.
وبدأ أثر هذا المشهد يظهر بوضوح على الجمهور نفسه، إذ وجد بعض مشجعي الأرجنتين أنفسهم مضطرين إلى التأكيد أن تشجيع ميسي أو الانحياز لمنتخب تاريخي لا يضعهم في الخانة الإسرائيلية، ولا يعني تبنّي مواقف ميلي أو نتنياهو. وفي الجهة الأخرى، انتقل كثيرون ممن لم تكن إسبانيا خيارهم الكروي الأول إلى تشجيعها، بعدما دفعهم الانحياز الإسرائيلي الفج إلى جانب الأرجنتين نحو الجهة المقابلة، فتحوّل الخيار الرياضي عند شريحة واسعة من الجمهور إلى انحياز يحكمه الموقف السياسي أكثر مما تحكمه كرة القدم.
وهكذا، نجحت إسرائيل في خلق انقسام تجاوز بكثير حدود المنافسة بين منتخبين، وحوّل اختلافاً طبيعياً في التشجيع الرياضي إلى مواجهة سياسية حادة بين جمهورين لم يكن يفترض أن تجمعهما سوى كرة القدم. انقسام امتد إلى مواقع التواصل الاجتماعي والمقاهي والتجمعات التي اعتادت أن تكون مساحة للفرح والمنافسة، وظهرت معه اتهامات قاسية وصلت إلى وصف مشجعي الأرجنتين بـ"الصهاينة". وهي تهمة، وإن كانت ظالمة، الا انها تكشف حجم الضرر الذي أحدثه إقحام إسرائيل نفسها في المشهد، إلى حد بات فيه مشجع كرة قدم مضطراً إلى تبرير خياره الرياضي وكأنه يعلن موقفاً سياسياً، في مشهد يختصر كيف يمكن للسياسة أن تفسد حتى أكثر المساحات قدرةً على جمع الشعوب.
من جهة أخرى، كانت إسبانيا تحمل أصلاً رمزية مختلفة لدى الجمهور العربي والمؤيد لفلسطين، بعدما راكم موقفها من الحرب على غزة حضوراً سياسياً لافتاً داخل أوروبا، بدءاً من الاعتراف بدولة فلسطين والمواقف الحادة التي تبنّتها حكومة بيدرو سانشيز، وصولاً إلى الإجراءات والضغوط التي طالت العلاقة مع إسرائيل، وهو ما منح مدريد رصيداً متقدماً لدى شريحة واسعة من الجمهور، وجعل اسم إسبانيا يرتبط بصوت أوروبي خرج بوضوح عن الموقف التقليدي حيال القضية الفلسطينية.
ولم تقتصر العوامل التي عززت هذه الصورة على التباعد بين مدريد وتل أبيب، إذ أضاف التوتر الأخير بين إسبانيا وإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعداً سياسياً آخر، بعدما واجهت مدريد انتقادات وضغوطاً أميركية على خلفية مواقفها وخياراتها. وهكذا دخلت إسبانيا المباراة وهي تحمل، خارج المستطيل الأخضر، صورة دولة اختارت في ملفات أساسية أن ترفع سقف موقفها، في وقت بقيت فيه عواصم غربية أخرى أسيرة حساباتها وتحالفاتها السياسية.
لهذا لم يكن غريباً أن تتحول إسبانيا، في ليلة النهائي، إلى «صوت فلسطين» بالنسبة إلى شريحة واسعة من الجمهور، بعدما التقت المواقف التي راكمتها مدريد خلال الحرب على غزة مع أصوات من داخل المنتخب نفسه عبّرت عن دعم القضية الفلسطينية ورفض الإبادة، فضلاً عن رفع العلم الفلسطيني في أكثر من مناسبة، لتدخل إسبانيا النهائي برمزية سياسية وشعبية جعلت الانحياز إليها، بالنسبة إلى كثيرين، يتجاوز الحسابات الكروية.
وعلى الضفة المقابلة من المشهد، لم يكن الدعم الإسرائيلي الصاخب لميسي والأرجنتين وحده ما أثّر في نظرة شريحة من الجمهور إلى النهائي، إذ دخل النجم الأرجنتيني المباراة محاطاً بجدل آخر رافق مسيرة منتخب بلاده في البطولة. فالحديث عن معاملة تفضيلية للنجم الأرجنتيني وقرارات صبّت في مصلحة منتخبه، لم يبق محصوراً بجمهور غاضب على مواقع التواصل، بل تحوّل إلى نقاش شارك فيه مختصون ومحللون رياضيون، وبلغ ذروته بعد مباراة مصر وما رافقها من اعتراضات على قرارات تحكيمية. ورغم أن هذا الجدل لم يستند إلى دليل يثبت وجود قرار مسبق بمنح ميسي البطولة، فإنه عكس حجم الشكوك التي تراكمت حول المعاملة التي حظي بها نجم الأرجنتين قبل بلوغ النهائي.
ومع تراكم هذه الصورة، بدأ قطاع من الجمهور يتعامل مع خسارة الأرجنتين باعتبارها أكثر من مجرد نتيجة كروية، إذ رأى فيها إسقاطاً لرهان واضح التفّ حول ميسي، سواء من شخصيات إسرائيلية راهنت على انتصاره، أو من انطباع واسع بأن الفيفا نفسها منحت النجم الأرجنتيني مساحة استثنائية طوال البطولة. لذلك، أراد كثيرون نهاية مختلفة عن تلك التي بدت وكأنها تتجه نحو تتويج ميسي في ختام مسيرته المونديالية، فيما كان سياسيون إسرائيليون يترقبون هذا الانتصار بوصفه مكسباً معنوياً يمكن ضمّه إلى سردية أوسع تسعى إسرائيل من خلالها إلى تكريس صورة نفوذ يمتد من السياسة والاقتصاد إلى الثقافة والفن والرياضة، بحيث يتحول فوز من تدعمه إلى دليل إضافي تستخدمه لتأكيد حضورها وقدرتها على فرض نفسها في مختلف الساحات بوصفه مكسباً معنوياً يمكن أن يُضاف إلى صورة النفوذ التي تحرص على تكريسها في كل ساحة.
غير أن هذه الصورة التي تسعى إسرائيل إلى تكريسها ترتد عليها اليوم بنتيجة معاكسة تماماً. فإسرائيل التي راكمت خلال حربها على غزة واعتداءاتها على لبنان رصيداً هائلاً من الغضب الشعبي، بفعل القتل والدمار والحصار والإبادة وسياسات التهجير والحرق التي ارتبطت بآلة حربها، باتت تواجه نفوراً يتجاوز حدود المنطقة ويجمع شعوباً مختلفة في بلدانها وأديانها وانتماءاتها. وهكذا يصبح المنتخب الذي تراهن عليه موضع حساسية، والفنان الذي تحتفي به موضع جدل، والشخصية التي تعلن دعمها مرفوضة تماماً لدى شرائح واسعة، في انعكاس واضح لحجم العزلة الشعبية التي صنعتها جرائمها، وهي عزلة بات اتساعها يفرض كلفة سياسية حقيقية ويضع حتى دولاً كبرى وحكومات حليفة لها أمام حرج متزايد في مواجهة الرأي العام.
وفي النهاية، خسرت الأرجنتين، لكن الاحتفال بخسارتها لدى شريحة واسعة من الجمهور لم يكن موجهاً ضد منتخبها ولا لاعبيها ولا شعبها، بقدر ما عبّر عن سقوط كل الحسابات التي ربطت فوزها بانتصارات تتجاوز كرة القدم. ومع انتصار إسبانيا، شعر كثيرون بأنهم كسروا شوكة الاصطفاف الإسرائيلي خلف ميسي، وخرجوا منتصرين من معركة رمزية لم يختاروها أصلاً، بل اختلقتها إسرائيل حين زجّت بنفسها في لعبة يُفترض أن تجمع الشعوب. وفي ليلة أرادها البعض تتويجاً لصورة إسرائيل الحاضرة والمنتَصرة في كل ساحة، جاءت النهاية معاكسة تماماً، وسقط معها انتصار حاولت إسرائيل أن تحجز لنفسها مكاناً فيه قبل أن يتحقق.
أخبار متعلقة :