كتبت لوسي بارسخيان في “نداء الوطن”:
بينما تمضي لجنة التحقيق البرلمانية في ملاحقة كل من وزراء الاتصالات السابقين نقولا الصحناوي، بطرس حرب، وجمال الجراح، بشبهتي هدر المال العام، تتعلق الأولى بمبنى «قصابيان»، والثانية بتبديد أموال شركتي الخليوي في رعاية تمويل مناسبات ونشاطات اجتماعية متفرقة وبمبالغ طائلة، يبدو أن قرار ديوان المحاسبة «التاريخي» حول مبنيي شركة MIC2 أو «تاتش»، قصابيان والباشورة، قد خطا خطواته العملية نحو استعادة الأموال المهدورة من جيوب من أهدروها.
مواقف الباشورة بموازاة الملايين المهدورة
خلص قرار ديوان المحاسبة الصادر عن غرفته الثانية برئاسة القاضي عبد الرضى ناصر في شهر تشرين الثاني من العام 2025 بعد سنتين من المذاكرات المتواصلة، إلى تقريش ارتكابات أربعة من ستة وزراء اتصالات متعاقبين على فضيحتي المبنيين، بالإضافة إلى تحميله المسؤولية لشركة زين التي كانت تتولى إدارة القطاع عن مرحلة استئجار مبنى قصابيان.
فحكم الديوان «باسم الشعب اللبناني»، بمبالغ مالية موازية لفداحة الجرم المرتكب، وطلب من وزارة الاتصالات إصدار سندات تحصيل لقيمتها بحق كل منهم، على أن تطلع الوزارة الديوان على إجراءاتها خلال مهلة لا تتجاوز الشهر.
وبناء عليه تبلّغ ديوان المحاسبة من وزارة الاتصالات من خلال كتاب مرسل إليه بتاريخ 19 كانون الأول من العام الماضي، أن الوزارة قامت بالإجراءات المطلوبة وأعدّت أوامر التحصيل اللازمة، وأرسلتها إلى وزارة المالية، بتاريخ 17 كانون الأول من العام الماضي، مع إيداع MIC2، نسخة عن قرار الديوان المذكور، والطلب منها اتخاذ كلّ التدابير والإجراءات اللازمة لتنفيذ البند العاشر من القرار، لجهة العمل مع الدوائر العقارية المختصّة على إعادة 123 موقفًا كانت أساسًا في تصرّف «تاتش» بموجب عقد إيجار البلوكين B وC من العقار 1526 الباشورة.
وفي هذا الإطار، أظهرت إفادة عقارية صادرة بتاريخ 22 كانون الأول من العام الماضي، وضع إشارة على العقار المذكور بتاريخ 26 تشرين الثاني من العام 2025، أي بعد أيام على صدور قرار الديوان، حفظًا لحق الدولة في مواقف السيارات. إذ تبين أن الوزير السابق جوني القرم، كان قد وقع عقد البيع الممسوح مع الشركة، على أساس خرائط الإفراز المعدلة، والتي خفض على أساسها عدد المواقف من 237 إلى 114 موقفًا أي بنقصان 123 موقفًا، وخفض المساحات المتاحة بعد تقسيم المبيع وضم البلوكين (B و C) وجعلهما بلوكًا واحدًا.
أما بخصوص شركة «زين» التي طلب الديوان من وزارة الاتصالات أن تعمل معها على استيفاء التعويض عن الضرر البالغ مليونين و750 ألف دولار أميركي، بعد أن عاد رئيس مجلس ادارة MIC2 المعين من قبلها بيتر كاليوبوليس عن قرار فسخ عقد إيجار مبنى قصابيان خلافًا للتعليمات المعطاة له، فقد أفاد كتاب الوزارة إلى الديوان، بأنها أعلمت الشركة بتاريخ 18 كانون الأول بالقرار، وبوجوب تسديد ما يترتب عليها من مستحقات مالية، وتزويد وزارة الاتصالات بموقفها في هذا الشأن.
كرة التنفيذ في ملعب المالية
إذًا، بات تنفيذ قرار ديوان المحاسبة حاليًا في عهدة وزارة المالية، التي يفترض أن تحصّل السندات المحررة، وفقًا لقيمة الهدر المحددة بـ 38 مليون دولار، والتي وزع الديوان أرقامها على الشكل التالي.
الوزير نقولا الصحناوي: ثمانية ملايين و78 ألفًا و146 دولارًا.
الوزيران جمال الجراح، ومحمد شقير: 11.3 مليون دولار لكل منهما.
الوزير جوني القرم: أربعة ملايين و920 ألف دولار.
بالإضافة إلى المبلغ المطلوب تحصيله من شركة زين، والذي حدد بمليونين و750 ألف دولار.
مع صدور سندات التحصيل، يصبح كل من هؤلاء مدينًا للدولة اللبنانية شخصيًا، تحت طائلة الحجز على ممتلكاتهم، منع السفر، والتنفيذ الجبري متى تخلفوا عن سدادها.
تعتبر مراسلة وزارة الاتصالات إلى ديوان المحاسبة إذًا، خطوة عملية تضع القرار 165/ر.ق قيد التنفيذ، مع تحميل وزارة المالية مسؤولية التحصيل.
على رغم معلومات صحافية تحدثت عن توجه لدى وزارة المالية لتبليغ القرار إلى المعنيين خلال مهلة الشهرين المقبلين، لم يفد ديوان المحاسبة، حتى مطلع هذا العام، عن أي من الإجراءات التي ستلجأ إليها مديرية الخزينة لتحصيل هذه المبالغ، وفقًا لما طلبه البند التاسع من القرار الصادر. علمًا أن هذا البند شكل وفقًا لمصدر معني في الديوان، سابقة حاولت تدارك أي محاولة لوضع القرار في الأدراج، والامتناع عن تنفيذه، أسوة بما حصل في قرارات كثيرة اتخذت في الماضي وبقيت حبرًا على ورق.
هل يكون مجلس الشورى منفذًا أخيرًا؟
حتى مساء الجمعة الماضي، لم يرد ديوان المحاسبة وفقًا للمعلومات أي طلب بمراجعة في القرار. علمًا أن قبول هذه المراجعات ممكن في حال أراد الوزراء المدانون تزويد الديوان بمعلومات لم ترد في دفاعاتهم السابقة. والتوجه وفقًا لما تظهره المعلومات، هو للطعن بالقرار لدى مجلس شورى الدولة بذريعة أن الديوان ليس المرجعية للبت بهذه القضايا، وأن الوزراء لا يتحملون مباشرة مسؤوليات الارتكابات التي تضمنتها.
استبق ديوان المحاسبة هذه الادعاءات من خلال قراره أيضًا، معللًا إياه ببنود قانونية، تثبت أن رقابة الديوان تشمل كل من يقوم بإدارة أو استعمال الأموال العموميّة، أو حتى من يتدخل في إدارة الأموال، من دون استثناء أحد، بمن فيهم الوزير.
هذا في وقت تثبت إحالة النيابة العامة التمييزية لملف «قصابيان» إلى مجلس النواب بواسطة وزير العدل منذ العام 2022، بأن الوزير معني مباشرة بالمخالفات المرتكبة تحت مسؤوليته. بصرف النظر عن الدفوعات الإعلامية التي حاولت التنصل من ذلك.
القرار لا يوقف المساءلة السياسية والجزائية
في المقابل، تنفي قراءة قانونية لقرار الديوان أن يكون المسار القضائي المالي لهذا الملف، قابلًا لأن يشكل ذريعة لوقف مسار المساءلة السياسية – القضائية – المالية الذي سلكه من خلال لجنة التحقيق البرلمانية. لا بل من المتوقع أن تتوسع التحقيقات البرلمانية الى أبعد من الشبهات المحالة إلى المجلس من قبل النيابة العامة التمييزية والنيابة المالية، وخصوصًا بعد ما كشفه تقرير ديوان المحاسبة عن هدر كبير في الأموال العامة، وبظل ادعاءات قضائية جزائية أخرى ما زالت سارية، وأبرزها الادعاء المقدم من مدير عام «تاتش» سابقًا وسيم منصور، والذي يشير مساره القانوني إلى شبهات جرمية تتعلق بإساءة استعمال السلطة، وهدر المال العام، وتبييض أموال.
ليس خطأ في التقدير إنما منظومة هدر
أبعد من محاولة استرداد المال العام، بدا واضحًا أن اهتمام الرأي العام بهذا الملف، ارتبط خصوصًا بما كشفه عن ثقافة إدارية تعاملت مع المال العام كملكية سائبة. فحين يدّعي وزير أنه حقق ربحًا للدولة من فروقات صرف الدولار، بينما يُظهر القرار أنه تخلّى عن مواقف سيارات تابعة لها من دون شفافية، فنحن لسنا أمام اختلاف روايات، بل محاولة لتغطية التفريط بالمال العام بغطاء مضلل حول عملية نقل غير مشروع للملكية العامة.
انطلاقًا من هنا، لا تعود صفقتا مبنيي قصابيان والباشورة مجرد صفقتين سيئتين، بل يظهر تقرير الديوان أنهما صُمّمتا كي لا يمكن إصلاحهما، وذلك عبر منظومة وزراء ولجان وشركات ومحامين عملت كشبكة واحدة لربط الدولة بعقود فاسدة، وحوّلت المبنيين منصّات لتهريب المال العام.
أين كانت الدولة طيلة هذا الوقت؟
وعليه، فإن جوهر مسؤولية الوزراء المتعاقبين هنا هو في العقود المفخخة، وما تبعها من إهمال قانوني يهدد الملكية، ومحاولات تبييض الخسائر بانهيار العملة، وتعديل خرائط الإفراز بما يتيح التخلي عن الأصول وليس فقط عن السيولة.
هذا كله يثبت وفقًا لقراءة في الملف، أن ما جرى في وزارة الاتصالات على مر عقد وأكثر لم يكن مجرد خطأ تقدير، بل نمط حكم، ومنظومة كاملة من الارتكابات. هذه الارتكابات التي تتقاطع مع عدة ملفات، أثيرت أو لا تزال قيد التحقيق في القضاء المالي أو حتى الجزائي، ولكنها لم تصل يومًا إلى إجابة. وهذا ما يطرح السؤال عما إذا كانت «الدولة»، بما تتمثل به من حكومات متعاقبة ووزراء، كانت تعلم أنها تدفع عشرات ملايين الدولارات مقابل مبانٍ لم تُستخدم، أو تم رهنها، أو تم تحويلها إلى أدوات مالية لصالح أطراف خاصة؟ وإذا كانت تعلم، فلماذا سكتت؟ وإذا لم تكن تعلم، فمن الذي أخفى الحقيقة عنها؟



