كتبت نورما ابو زيد في “نداء الوطن”:
قبل أن يزور رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي قصر بعبدا الأسبوع الفائت، كانت الإشارات قد سبقت خطواته. وعمّمت بطانته كلامًا مدروسًا عن “خطوة مفصلية”، وتركت الباب مفتوحًا على الاحتمالات. غير أن تزامن هذا الغموض المقصود مع تصعيد واضح في بيئة “حزب اللّه” بوجه رئيس الجمهورية، لم يترك مجالًا واسعًا للتأويل. وعليه، كان متوقعًا أن تكون الخطوة باتجاه بعبدا، وإذا بالخطوة تأتي على شكل زيارة.
هكذا، تمّت الزيارة، وتصاعدت معها علامات الاستفهام: هل كانت محاولة لترقيع العلاقة “المتملّعة” بين رئيس الجمهورية و “حزب اللّه”، أم كانت رسالة سياسية محسوبة في لحظة اشتباكٍ مفتوح؟
تقول دوائر “عين التينة” إن الزيارة كانت رسالة تضامن واضحة مع الرئيس عون في مواجهة المواقف الهائجة، بل تنقل عن الرئيس برّي تأكيده أنه والرئيس عون في وحدة حال، وأن وحدة البلد تبقى الأولويّة التي لا تعلو عليها أولوية.
تذهب الدوائر أبعد من ذلك، مؤكّدة أن الرئيس برّي، تحت شعار “حفظ البلد”، مستعدّ لمدّ اليد إلى بكركي ودار الإفتاء وكلّ المراجع الدينية، وللانفتاح على “القوات اللبنانية” و “الكتائب اللبنانية” وسائر الأفرقاء، في خطوة تحمل إيحاءات واضحة بإمكانية توسيع دائرة التوافق خارج المحيط التقليديّ.
تؤكّد الدوائر، أن “عين التينة” قد تختلف مع عدّة أفرقاء، في ملفات عدّة، لكنها تتفق مع الجميع على أمر واحد لا جدال فيه: سلامة البلد.
تعدّد الدوائر محطّات مفصليّة، أثبت فيها الرئيس برّي أن سلامة لبنان كانت دائمًا أولوية عليا، من بينها:
ـ وقوفه خلال حرب العام 1987 في وجه المشروع الإيراني في لبنان.
ـ تحفّظه الواضح على أزلام سوريا في لبنان.
ـ خلافه مع الرئيس السوري السابق بشار الأسد، نتيجة رفضه أيّ مشاركة لبنانية في القتال في سوريا.
ـ رفضه حرب الإسناد.
وتخلص الدوائر إلى أنه كما كان للرئيس برّي موقف تاريخي في كلّ مفصل من مفاصل التاريخ اللبناني، فإن موقفه التاريخي اليوم هو العودة إلى الدولة، كخيار استراتيجيّ لا مساومة عليه، لحفظ سلامة لبنان التي تبقى فوق كلّ الاعتبارات.
وماذا لو وجّهت واشنطن ضربة لطهران، وانخرط “حزب اللّه” مجدّدًا في خطّ الإسناد؟
تجيب الدوائر أن “حزب اللّه” نفسه سيرفض أيّ انجرار، وأن ثقل الرئيس برّي سيقف حاجزًا صلبًا أمام الانجرار. وتضيف أنه حتى لو قرّرت القيادة الإيرانية تحريك “الحزب”، فإن السلاح شمال الليطاني لم يعد قادرًا على إطلاق رصاصة واحدة، إذ إن صرخات المهجّرين من قراهم ومنازلهم تشكّل جدارًا من الضغط الشعبي يعيق أيّ تحرّك.
تستعين الدوائر بمقولة “لا صلاة بلا وطن” للإمام الشيخ محمد مهدي شمس الدين، لتأكيد الرفض القاطع لأيّ استخدام للسلاح في حروب الآخرين، وتخلص إلى أن دور السلاح في المنطقة سقط بسقوط سوريا، وأن دوره في لبنان تراجع أمام القدرات الإسرائيلية المتعاظمة، ما يجعل خيار الدولة هو الخيار الوحيد.
وهل خُصّصت الزيارة لبعبدا جزئيًا للتوافق الرئاسي بشأن التفاوض السياسي مع إسرائيل؟
تردّ الدوائر أن السيناريو الذي طُرح في الإعلام عارٍ من الصحّة، وأنه كان منتظرًا من لجنة “الميكانيزم” أن تصل إلى توافق سياسي، لكن اللجنة طارت، وأصبح التعويل اليوم على علاقات الرئيس عون الدولية، لابتكار إطارٍ جديد يحمي لبنان من الانجرار خلف المسار المتفجّر.
ولماذا الافتراض بأن المسار متفجّر؟
الجواب بحسب الدوائر، أن الرهان كان قائمًا على الدور الفرنسي كضمانة، ولكن “زعبوه”. والأشهر المقبلة ستكشف تفريغًا كاملًا للجنوب من “اليونيفيل”، ما يعني تعرية كاملة للواقع الميداني، في وقت لا يتوقف فيه المطبخ الإسرائيلي عن العمل.



